عزت سلامة يكتب : ”بين هدنة الكلام وتصعيد الواقع..حقيقة مايحدث مع إيران ”

فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، يبدو أن مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران قد دخل مرحلة من الجمود المعقد ، حيث تتشابك المصالح والملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية ، في مشهد يعكس عمق الأزمة ، القضية ليست مجرد تعثر عابر في مسار تفاوضي ولكنها تعثر مقصود من أجل تصدير انتصار مزعوم .
التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أعادت تسليط الضوء على حساسية وأهمية هذا الممر الحيوي ، الذي لا يمثل فقط شريانا رئيسيا لتدفق الطاقة العالمية ، بل أداة ضغط جيوسياسية تستخدمها طهران في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. وفي المقابل ترى واشنطن أن حرية الملاحة خطا أحمر لا يمكن التفاوض عليه ، ما يضع الطرفين أمام معادلة شديدة التعقيد.المفاوضات في جوهرها لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي الايرانى ، بل تحولت إلى ساحة صراع أوسع تشمل النفوذ الإقليمي ، وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط ، وتوازنات القوة بين اللاعبين الدوليين. فبينما تصر الولايات المتحدة على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني ، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهلها لسنوات طويلة ، إضافة إلى ضمانات حقيقية بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات السابقة..لكن تظل العقدة الأبرز في انعدام الثقة.. فمنذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي ، لم تعد إيران تثق في التعهدات الأمريكية ، فيما تشكك واشنطن في نوايا طهران وتخشى من استمرارها فى تطوير قدراتها النووية تحت غطاء التفاوض.
في قلب هذا المشهد تلعب إسرائيل دورا محوريا ، إذ تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدا وجوديا لها ، وتضغط بشكل مستمر على الولايات المتحدة لعدم تقديم تنازلات قد تتيح لطهران الاقتراب من اعلان انها دولة نووية. كما أن اطلاع رئيس الوزراء الاسرائيلى نتنياهو على تفاصيل بعض مسارات التفاوض ، يعكس عمق التنسيق بين الطرفين ( أمريكا واسرائيل ) ويزيد في الوقت ذاته من شكوك إيران بشأن حيادية التفاوض..في المقابل تثير سياسة “الغموض النووي” التي تنتهجها إسرائيل ، وعدم خضوعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنفس الآليات التى تخضع لها إيران ، تساؤلات واسعة حول ازدواجية المعايير في التعامل مع الملف النووي في المنطقة ، وهو ما تستغله طهران سياسيا لتعزيز موقفها التفاوضي..ولا يمكن فصل هذا المشهد عن التوترات المستمرة في قطاع غزة ولبنان ، حيث تؤدي العمليات العسكرية المتبادلة بين أطراف النزاع إلى تعقيد أي جهود دبلوماسية، وتدفع المنطقة نحو مزيد من الإحتقان ، بما يضعف فرص الوصول إلى حلول حقيقية ..إقتصاديا ينعكس هذا الجمود بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية ، حيث يؤدي أي تهديد لـمضيق هرمز إلى إرتفاع أسعار النفط ، ما يضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي ، ويزيد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة ، خصوصا في ظل أوضاع اقتصادية دولية هشة.
أمام هذا الواقع تبدو المفاوضات عالقة بين خيارين : إما جمود طويل الأمد يدار من خلاله الصراع دون حله ، أو مفاوضات شكلية تفتقر إلى الإرادة السياسية الحقيقية لإحداث اختراق.. وفي كلا الحالتين ، يبقى الاستقرار الإقليمي رهينة لتوازنات هشة قابلة للإنهيار في أي لحظة..غير أن السؤال الأكثر خطورة يظل مطروحا : ماذا لو فشلت المفاوضات الخاصة بحرب ايران ؟ ..الإجابة : سيُفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة ، أبرزها اقتراب إيران من إعلان صريح لقدراتها النووية ، وهو قرار سيادي بالغ الحساسية قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة.. مثل هذا التطور قد يدفع إسرائيل إلى تنفيذ ضربات عسكرية تستهدف العمق النووي الإيراني ، بدعم أو تنسيق أكيد مع الولايات المتحدة ، ما قد يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق..وفي حال اندلاع مواجهة مفتوحة ، من المرجح أن تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة المباشرة، لتشمل استهداف مصالح أمريكية في المنطقة، وتصعيدا عبر حلفاء إيران في عدة دول ، وقد يتحول هذا الصراع إلى أزمة إقليمية شاملة ذات أبعاد أمنية واقتصادية وإنسانية خطيرة..في النهاية يبدو أن الشرق الأوسط يقف مجددا عند مفترق طرق ، ولا يزال الخيار بين الدبلوماسية والتصعيد قائما ..اذا كنا نريد سلاما حقيقيا يجب على أطراف التفاوض أن يسعوا الى عودة الثقة ، والبعد عن سياسة إدارة الأزمات بدلا من حلها ، والتى قد تدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطرابا ، ويظل السلام الحقيقي مؤجلا وربما بعيد المنال.

