السقا مات”، رائعة يوسف السباعي التي انتصرت على رهبة الموت في السينما والأدب

يحتفل العالم في شهر أبريل من كل عام بـ"اليوم العالمى للكتاب"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها منظمة اليونسكو إيمانًا بالقوة التنويرية للكتب، ودورها الجوهري كجسر معرفي يربط بين الأجيال المتعاقبة والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز الأدب العربي كأحد أهم الروافد العالمية التي قدمت على مدار القرن العشرين أعمالًا استثنائية بلغت حدود العالمية، حيث توج الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب هذه الإبداعات بإعلان قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن الماضي، بناء على استفتاء موسع شارك فيه كبار النقاد والأدباء.
وترصد بوابه الدوله” خلال برنامج احتفالها باليوم العالمي للكتاب الشهر الجاري، عددًا من هذه الأعمال، ومنها رواية “السقا مات”.
وتظل رواية "السقا مات" للأديب المصري الراحل يوسف السباعي، علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، فمنذ صدورها الأول عام 1952 عن دار النشر للجامعيين، صنفها النقاد كواحدة من أهم وأعمق ما خطته يمين "فارس الرومانسية"، فالرواية التي تغوص في فلسفة الحياة والموت من خلال حارة مصرية شعبية، استطاعت أن تحجز مكانة رفيعة في قائمة أفضل الأعمال الأدبية التي جسدت الهوية المصرية بمختلف تناقضاتها.
رواية السقا مات
تعود أحداث هذه القصة إلى عام 1921، حيث اتخذ السباعي من حي الحسينية العريق مسرحا لدراما الواقع، والذي لا تزال بعض علاماته المميزة تقاوم الفناء، ولعل أبرزها صنبور المياه الحكومي في "درب السماكين"، ذلك المكان الذي كان يتربع أمامه "سيد الدنك"، المتحكم في شريان الحياة بالحي، والآمر الناهي في صفوف النساء والرجال المنتظرين لملء أوعيتهم.
ويعبر السباعي في ثنايا عمله عن رغبة جارفة في اصطحاب القارئ بجولة حية داخل تلك الأزقة التي تلاشت ملامحها القديمة، مشككًا في قدرة جيل العصر الحديث على استيعاب تفاصيل تلك الربوع التي دالت دولتها وزال سؤددها، ومع ذلك يصر على تقديم صورة بصرية عميقة للمكان الذي سيحبس فيه القارئ طوال رحلته مع الرواية.
تحويل "السقا مات" إلى فيلم سينمائي
ولم تكن رحلة تحويل "السقا مات" إلى فيلم سينمائي مفروشة بالورود، فقد واجه المخرج الكبير صلاح أبو سيف رفضا جماعيا من المنتجين في السبعينيات، الذين تملكتهم الخشية من المغامرة بإنتاج عمل يدور محوره الأساسي حول "الموت"، وظل المشروع حبيس الأدراج حتى تدخل المخرج والمنتج يوسف شاهين، الذي أمن بالقيمة الفنية للعمل، وقرر إنتاجه عام 1977 بالتعاون مع شركة "ساتبيك" التونسية.
صاغ السيناريو والحوار لهذا الفيلم الكاتب محسن زايد بالاشتراك مع صلاح أبو سيف، وضم كوكبة من عمالقة الفن المصري، من بينهم فريد شوقي، عزت العلايلي، أمينة رزق، وتحية كاريوكا، بمشاركة ناهد جبر، حسن حسين، شويكار، وبلقيس، ومن الجدير بالذكر أن صناع الفيلم اختاروا تقديم نهاية تختلف عن الرواية الأدبية، حيث تعمدوا بث جرعة من التفاؤل في الختام، لتخفيف وطأة العدمية التي قد تتركها تيمة الموت لدى المشاهد.
الأديب يوسف السباعي
يعد يوسف السباعى ظاهرة استثنائية في تاريخ الإدارة والآداب المصرية، فهو الضابط والوزير والدبلوماسي الذي لم تتغلب صرامة البدلة العسكرية في الكلية الحربية على رقة قلبه وقدرته على صياغة أعذب القصص الرومانسية والاجتماعية، لقب بـ "فارس الرومانسية" لقدرته على نسج شخصيات واقعية لامست وجدان الجمهور، سواء من خلال الكتب أو عبر شاشات السينما التي احتفت بأعماله بشكل واسع.
تدرج السباعي في مناصب رفيعة، بدأت بعمله مدرسا بالكلية الحربية ومديرا للمتحف الحربي حتى وصل لدرجة عميد، وعقب تقاعده، شغل منصب سكرتير عام المحكمة العليا للفنون، ورئيس تحرير مجلات عريقة مثل "آخر ساعة" و"الرسالة الجديدة"، كما تولى رئاسة مجلس إدارة دار الهلال، حتى اختاره الرئيس السادات وزيرا للثقافة في مارس 1973، ثم انتخب نقيبا للصحفيين المصريين عام 1977.. وسكرتيرا عاما لمنظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية.
وتوجت مسيرة السباعي بالعديد من الأوسمة، أبرزها جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وجائزة لينين للسلام عام 1970، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، بالإضافة إلى جوائز وزارة الثقافة عن سيناريوهات وحوارات أفلام خلدت في ذاكرة السينما مثل "رد قلبي" و"الليلة الأخيرة".

