بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : قنبلة صامتة.. الانتحار في مصر يطرق أبواب الخطر

المستشار محمد سليم
-

إننا لا نكتب اليوم لنرصد مأساة – بل لنمنع مأساة قادمة – ولا نبالغ إذا قلنا إن كل حالة انتحار هي فشل جماعي – فشل في الاحتواء – وفشل في الدعم – وفشل في الإنقاذ – في النهاية يجب أن نُدرك حقيقة بسيطة لكنها مؤلمة – من ينتحر لا يبحث عن الموت – بل يهرب من حياة لم يعد يحتملها – وهنا يأتي دورنا جميعًا – الدولة – البرلمان – الأسرة – المجتمع – جرس الإنذار يدق الآن – فهل نتحرك قبل أن تتحول القنبلة الصامتة إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه؟

لم تعد حوادث الانتحار في مصر مجرد وقائع فردية متفرقة تُطالعنا بها صفحات الحوادث بين الحين والآخر، بل تحولت إلى جرس إنذار حقيقي، يدق بعنف في وجه المجتمع، محذرًا من أزمة صامتة تتسع رقعتها يومًا بعد يوم. نحن لم نعد أمام حادثة هنا أو واقعة هناك، بل أمام ظاهرة تتشكل بهدوء، لكنها تحمل في طياتها تهديدًا عميقًا لاستقرار المجتمع المصري المعروف بتماسكه وقيمه الدينية والإنسانية.
الأرقام – رغم ما يحيط بها من تحفظات – تكشف جانبًا صادمًا من الحقيقة. فقد تم رصد مئات الحالات خلال العامين الأخيرين، حيث تشير تقارير إلى تسجيل ما يقرب من 322 حالة انتحار خلال عام واحد، فضلًا عن أكثر من 200 حالة خلال عام 2024 وحده. لكن الحقيقة الأخطر، أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع بالكامل، نظرًا لوجود حالات كثيرة لا يتم الإبلاغ عنها، إما بدافع الخوف من الوصمة الاجتماعية أو لأسباب تتعلق بالإجراءات القانونية، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام المشهد.
هل نحن أمام زيادة فعلية في عدد الحالات؟ أم أمام زيادة في رصدها وانتشارها عبر وسائل الإعلام والسوشيال ميديا؟ الإجابة الصادقة نحن أمام الاثنين معًا.
حادثة سيدة الإسكندرية التي ألقت بنفسها من الطابق الثالث عشر، بعد بث مباشر استغاثت فيه لساعات، لم تكن مجرد واقعة مأساوية، بل كانت رسالة صريحة بأن هناك من يصرخ ولا يجد من يسمعه، سيدة تبحث عن من يشاركها أعباء الحياة، عن من يمد لها يد العون، عن من يقول لها "نحن معك"، لكنها لم تجد شيئًا سوى شاشة صامتة ومجتمع متفرج.
وقبلها بأسابيع، جاءت حادثة كرموز، التي انتهت بمأساة أسرية كاملة بسبب الفقر والمرض والتفكك، لتؤكد أن الأزمة ليست لحظة ضعف عابرة، بل نتيجة تراكمات قاسية تضغط على الإنسان حتى تدفعه إلى حافة الانهيار.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، الانتحار لا يحدث فجأة، بل هو نهاية طريق طويل من الألم.
هذا الطريق يبدأ غالبًا بضغوط اقتصادية خانقة، حيث يشعر الإنسان بالعجز عن توفير احتياجاته الأساسية، فيفقد الإحساس بالأمان. ثم تتفاقم الأزمة مع التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق، حيث تجد المرأة نفسها وحيدة في مواجهة الحياة، ويجد الطفل نفسه بلا سند حقيقي. ومع غياب العدالة الناجزة في بعض قضايا الأحوال الشخصية، تزداد المعاناة، ويتحول الإحباط إلى يأس، لكن الأخطر من ذلك كله، هو غياب منظومة دعم نفسي فعالة.
لا يزال كثيرون ينظرون إلى العلاج النفسي باعتباره “وصمة”، فيتجنبون طلب المساعدة، حتى تتفاقم حالتهم وتصل إلى مراحل خطيرة. كم من إنسان كان يمكن إنقاذه لو وجد من يستمع إليه في الوقت المناسب؟
ولا يمكن إغفال دور السوشيال ميديا، التي تحولت في بعض الأحيان إلى ساحة لعرض المآسي الإنسانية. فبدلًا من أن تكون وسيلة للدعم، أصبحت في بعض الحالات أداة لنشر الألم، بل وأحيانًا – دون قصد – تساهم في خلق ما يشبه “عدوى الانتحار”، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا،وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حين تتحول المأساة إلى “ترند”، يصبح الخطر مضاعفًا.
ورغم كل هذه العوامل، لا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد، فالفقر وحده لا يدفع للانتحار، وإلا لانتحر الملايين، لكن ما يدفع الإنسان إلى هذه النهاية هو شعوره بفقدان الأمل، وإحساسه بأنه وحده في مواجهة عالم قاسٍ لا يرحم.
ومن هنا، فإننا لا نبالغ حين نقول إننا أمام قضية أمن مجتمعي، وليست مجرد أزمة نفسية أو اجتماعية، ولهذا، فإنني أطالب بتحرك عاجل وشامل على عدة مستويات:
أولًا: إصدار تشريع متكامل يحمي الأسر الأكثر عرضة للانهيار، خاصة النساء المعيلات والمطلقات، ويضمن سرعة الفصل في قضايا النفقة، وتوفير شبكة أمان اجتماعي حقيقية تمنع الوصول إلى هذه المرحلة.
ثانيًا: دعوة مجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، إلى تبني هذه القضية بشكل عاجل، من خلال عقد جلسات استماع موسعة يحضرها وزراء العدل، والأوقاف، والتضامن الاجتماعي، والمالية، إلى جانب الخبراء والمتخصصين، لوضع رؤية تشريعية متكاملة لمواجهة الظاهرة.
ثالثًا: إنشاء خط “النجدة النفسية” يعمل على مدار 24 ساعة، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين، قادرين على التدخل الفوري في حالات الخطر، لأن لحظة واحدة قد تفصل بين الحياة والموت.
رابعًا: التوسع في خدمات الصحة النفسية، وإدماجها ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، مع إطلاق حملات توعية للقضاء على الوصمة المرتبطة بها.
خامسًا: توجيه الإعلام للقيام بدوره التوعوي، والتعامل مع هذه القضايا بمسؤولية، بعيدًا عن الإثارة أو التهويل.

لم يعد مقبولًا أن نظل في موقع المتفرج، نحصي الضحايا ونُعدد الأسباب، بينما الأرواح تُزهق في صمت مؤلم. الرسالة اليوم واضحة وصريحة إلى مجلس النواب: هذه القضية يجب أن تُدرج على رأس الأولويات، لا كمناقشة عابرة، بل كملف عاجل يتطلب تشريعات حاسمة تُعيد التوازن للأسرة المصرية وتمنح الأمل لمن فقدوه. وأين الحكومة من كل هذا؟ أين خطط المواجهة الاستباقية، وأين قواعد البيانات الدقيقة التي ترصد حجم الخطر، وأين التنسيق الحقيقي بين وزارات الصحة والتضامن والتعليم والأوقاف؟ لا يكفي أن نتحرك بعد وقوع الكارثة، ولا أن نُصدر بيانات تعاطف لا تُسمن ولا تُغني من إنقاذ. المطلوب حكومة تُبادر لا تُلاحق، تُنقذ لا تُواسي، تُخطط لا تُبرر، فحين تتكرر المأساة، يصبح الصمت تقصيرًا، والتأخر مسؤولية، والتردد ثمنه أرواح لا تعوض.
أما المجتمع المدني، فدوره لا يقل أهمية، بل هو خط الدفاع الأول، عليه أن يتحرك خارج القاعات المغلقة، وأن يمد جسور الثقة والدعم إلى كل من يختنق في صمت، وأن يُعيد للإنسان شعوره بأنه ليس وحده.
إن المعركة هنا ليست ضد ظاهرة، بل ضد اليأس نفسه، وإذا لم نتكاتف جميعًا، دولة ومؤسسات ومجتمع، سنظل ندفع الثمن من أرواح أبنائنا، فلتكن هذه اللحظة بداية تحرك حقيقي، لا بيانات تُنسى، ولا وعود تُؤجل، لأن كل تأخير قد يعني حياة تُفقد، وقلبًا ينكسر، وأسرةً تُدفن وهي على قيد الحياة.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض