بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

جهاد عبد المنعم يكتب: فوضى التسويق العقاري بالموبايل، مكالمات وهمية وسوق يبيع الوهم

جهاد عبد المنعم
-

كم مرة تلقيت مكالمة هاتفية تعرض عليك “فرصة استثمارية لا تُعوّض”، العرض بينتهي بكرة الساعة الخامسة ويا تلحق يا ما تلحقش، وكأننا في سباق مستمر ضد الزمن، ورغم غرامات الملايين من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والتنبيهات المتكررة، لا يزال الإزعاج مستمر وكأن القانون مجرد توصية
في مصر اليوم، لم يعد التسويق العقاري مجرد تعريف بالمشروعات أو عرض وحدات سكنية، بل تحوّل إلى صناعة كاملة لصنع الطلب، في 2024 وصلت المبيعات التعاقدية لأكبر 21 مطورًا عقاريًا إلى 1.4 تريليون جنيه مقابل 701 مليار في 2023، ما يعكس قوة ماكينة البيع وتأثير الإعلان النفسي على المشترين قبل اكتمال البناء
المشكلة الكبرى تبدأ عندما تتحوّل “الخريطة” إلى وعود وهمية، مساحة أكبر، موقع أقرب، خدمات أكثر وتواريخ تسليم أسرع من الواقع، وهنا يأتي دور قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، الذي يجرّم أي سلوك خادع أو تضليل في الإعلان، ويمنع بيع الوحدات قبل الحصول على تراخيص البناء، لكن الفجوة الحقيقية ليست في النصوص القانونية بل في قدرتنا على تطبيقها ومراقبتها
أما فوضى المكالمات المزعجة، فهي الجانب الأكثر إلحاحًا للمواطن، الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات فرض تسجيل بيانات المتصلين وظهور تنبيه “NTRA Alert” وفتح قنوات الشكاوى عبر الخط الساخن 155 وتطبيق My NTRA، وبدأ بالفعل إحالة شركات كبرى للنيابة العامة، مع وقف الخطوط المخالفة ومنع الحصول على خطوط جديدة، في خطوة واضحة من الدولة نحو الردع الفعّال
ثم جاءت إجراءات أكثر صرامة في مايو 2025، وصلت إلى حد وقف الخطوط المستخدمة في المكالمات المزعجة نهائيًا ومنع المخالفين من الحصول على خطوط جديدة، ووسّعت أدوات التعرف على هوية المتصل لتشمل المكالمات من الهاتف الثابت، ما يدل على أن الدولة بدأت الانتقال من مجرد تلقي الشكوى إلى بناء آلية ردع فني وتنظيمي
أرقام الشكاوى نفسها تكشف حجم المشكلة، ففي 2024 تلقى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ما مجموعه 299,776 شكوى، 80% منها عبر مركز الاتصال 155، و8% عبر الموقع الإلكتروني، و6% عبر واتساب، و5% عبر تطبيق My NTRA، صحيح أن الرقم يشمل كل شكاوى خدمات الاتصالات وليس المكالمات العقارية وحدها، لكنه يوضح البنية الرقابية المتاحة للمواطن ويؤكد أن جزءًا من الفوضى أصبح خاضعًا للرصد والتتبع
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن مكافحة المكالمات وحدها لا تكفي، لأن الأزمة الحقيقية هي “بيع الوهم”، السوق تعلمت كيف تبيع الاحتمال كأنه يقين والصورة كأنها عقد رسمي، والحل الحقيقي يكمن في الشفافية المطلقة، الإفصاح الكامل عن السعر النهائي، نسب التنفيذ الفعلية، التراخيص، مواعيد التسليم، والخدمات الملزمة تعاقديًا، دون أي تضليل
حينها فقط، يمكن القول إن السوق العقارية بدأت تبيع ما هو حقيقي، لا مجرد نسخة باهظة الثمن من الأحلام