المهندس مصطفى فعل يكتب : ماذا بعد فتح المضيق… أيها العراقيون؟

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في منطقة الخليج، يعود السؤال نفسه ليتردد داخل الشارع العراقي، ماذا سيحدث إذا أُغلق مضيق هرمز، وكيف سيتأثر تصدير النفط، ومن أين ستأتي الإيرادات، وكأن مصير دولة بحجم العراق، بتاريخها وثرواتها ومكانتها، بات معلقًا بممر مائي خارج حدودها، وهو أمر يكشف بوضوح حجم الخلل الذي تراكم عبر سنوات طويلة من سوء التخطيط وغياب الرؤية الاقتصادية المتكاملة.
الحقيقة المؤلمة أن العراق لم يكن يومًا فقيرًا في موارده، بل كان ولا يزال من أغنى دول المنطقة بالنفط والغاز والأراضي الزراعية والطاقات البشرية، لكن المشكلة لم تكن في الإمكانات، بل في كيفية إدارتها، فبدلًا من بناء اقتصاد متنوع وقاعدة صناعية وزراعية قوية، جرى الاعتماد شبه الكامل على النفط، حتى أصبح أي اضطراب في الأسعار أو في طرق التصدير كفيلًا بإرباك الدولة بأكملها، وجعل المواطن أول من يدفع الثمن.
وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا، أنفقت الحكومات العراقية موازنات هائلة، ورفعت شعارات الإصلاح والتنمية، لكن الواقع بقي كما هو، غاز يُحرق في الهواء بدلًا من استثماره، مصانع متوقفة، زراعة تتراجع عامًا بعد عام، وشباب ينتظر فرصة عمل لا تأتي، بينما تستمر البلاد في استيراد أبسط احتياجاتها من الخارج، وكأنها دولة بلا موارد ولا تاريخ اقتصادي يُعتد به.
وفي مقابل هذا المشهد، تبرز التجربة المصرية خلال العقد الأخير كنموذج عملي لدولة قررت أن تكسر دائرة الأزمات، وأن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة، وهو التحول الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي برؤية واضحة وإرادة سياسية صلبة، حيث أدرك أن الأمن القومي لا يمكن أن يتحقق دون اقتصاد قوي، وأن التنمية لا يمكن أن تستمر دون جيش قادر على حماية مقدرات الدولة.
لقد شهدت مصر في عهد الرئيس السيسي طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية، من شبكة طرق عملاقة ربطت أطراف البلاد ببعضها البعض، إلى موانئ حديثة ومناطق لوجستية ومدن جديدة، فضلًا عن مشروعات الطاقة التي نقلت مصر من دولة تعاني من نقص الكهرباء إلى دولة تحقق الاكتفاء الذاتي وتصدر الفائض إلى الخارج، وهي إنجازات تحققت على أرض الواقع وشهد بها الجميع.
أما على الصعيد العسكري، فقد عملت القيادة المصرية على بناء جيش حديث يمتلك تنوعًا غير مسبوق في مصادر السلاح، فتم إدخال طائرات رافال الفرنسية، ومقاتلات ميج وسوخوي الروسية، إلى جانب حاملات المروحيات ميسترال، وغواصات ألمانية متقدمة، وأنظمة دفاع جوي حديثة، وهو تنوع مدروس لم يكن هدفه التفاخر، بل ضمان استقلال القرار العسكري وعدم الارتهان لأي طرف خارجي، وهو ما منح مصر قدرة ردع حقيقية ومكانة عسكرية إقليمية متقدمة.
ولم تقتصر رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي على الداخل المصري فقط، بل امتدت إلى الدعوة الصريحة لتشكيل قوة عسكرية واقتصادية عربية وإسلامية مشتركة، قادرة على حماية مقدرات الشعوب ومواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة، وهي دعوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن التهديدات التي تواجه المنطقة أكبر من أن تتصدى لها دولة واحدة مهما بلغت قوتها.
وبالعودة إلى العراق، فإن استمرار ربط مصيره بأسعار النفط أو بفتح المضائق وإغلاقها يعني أن الأزمة الحقيقية لم تُحل بعد، وأن الدولة ما زالت تعتمد على مورد واحد قابل للتقلب في أي لحظة، وهو وضع لا يمكن أن يستمر إذا أراد العراق أن يستعيد مكانته الطبيعية كدولة محورية في المنطقة.
إن الطريق إلى إنقاذ الاقتصاد العراقي يبدأ من الداخل، من استثمار الغاز بدلًا من حرقه، ومن إعادة الحياة إلى الزراعة والصناعة، ومن تمكين القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار الوطني، وهو ما يتطلب قرارات شجاعة ورؤية استراتيجية طويلة المدى تضع مصلحة الدولة فوق أي حسابات ضيقة.
كما أن دعم الشركات الوطنية الجادة يعد أحد أهم محاور النهوض الاقتصادي، وفي هذا السياق تبرز شركة عاصمة الحضارات للتطوير العقاري بقيادة المهندس مصطفى الفعل كنموذج للاستثمار الوطني المسؤول الذي يسعى إلى المساهمة في إعادة الإعمار وتطوير البنية العمرانية وفق معايير حديثة تليق بتاريخ العراق وحضارته.
إن التجربة المصرية تثبت أن الدول التي تمتلك قيادة واعية ورؤية واضحة يمكنها أن تتحول خلال سنوات قليلة من دولة تعاني أزمات متراكمة إلى دولة تمتلك بنية تحتية قوية وجيشًا حديثًا واقتصادًا متماسكًا ودورًا إقليميًا مؤثرًا، وهو ما جعل مصر اليوم قوة يُحسب لها حساب في معادلات الأمن والطاقة والسياسة في المنطقة.
ختامًا، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل عراقي على نفسه، ليس متى يُفتح المضيق، بل متى يُفتح باب الإصلاح الحقيقي داخل الدولة، ومتى يتم التخلص من السياسات التي جعلت اقتصادًا بحجم الاقتصاد العراقي رهينة لعوامل خارجية، فالدول لا تُحمى بالممرات البحرية، بل تُحمى بجيش قوي واقتصاد متنوع وقيادة تمتلك الشجاعة في اتخاذ القرار، وهي المعادلة التي نجحت مصر في تحقيقها بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أثبت أن بناء القوة لا ينتظر الظروف، بل يُصنع بالإرادة والعمل والتخطيط طويل المدى.

