النائب أحمد قورة يكتب: ورطة ترامب في حرب بلا نهاية

في أقل من ثلاثة أسابيع على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام مأزق سياسي وعسكري معقد، يتجاوز حدود الحسابات التقليدية للحروب السريعة أو الضربات المحدودة، فالحرب التي بدأت تحت عناوين الردع وكبح النفوذ الإيراني، تحولت تدريجيا إلى اختبار مفتوح على احتمالات خطرة، في ظل غياب رؤية واضحة لنهايتها، أو حتى تعريف دقيق لما يمكن اعتباره “نصرا”.
منذ اللحظة الأولى، راهن ترامب على عنصر المفاجأة وعلى تفوق القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، متصورا أن الضربات المكثفة ستدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط جديدة، إلا أن ما حدث على الأرض كشف عن تقدير ناقص لطبيعة الرد الإيراني، سواء من حيث مداه الجغرافي أو أدواته غير التقليدية، فإيران لم تكتفِ بامتصاص الضربات، بل وسّعت دائرة الرد لتشمل مصالح أميركية وحلفاء في المنطقة، ما أدخل الصراع في مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة.
أحد أبرز أوجه الورطة يتمثل في غياب الهدف الاستراتيجي المعلن،فهل تسعى واشنطن إلى إسقاط النظام الإيراني؟ أم إلى تدمير قدراته العسكرية؟ أم مجرد إعادة فرض قواعد اشتباك جديدة؟ هذا الغموض انعكس سلبا على الأداء السياسي والإعلامي للإدارة الأميركية، حيث بدا الخطاب متذبذبا بين إعلان تحقيق إنجازات كبيرة، وبين الإقرار بالمفاجأة من حجم الرد الإيراني. وفي الحروب، لا يكفي التفوق العسكري إذا لم يكن مسنودا برؤية سياسية واضحة تحدد البداية والنهاية.
داخليا، بدأت كلفة الحرب تظهر بوضوح. فالرأي العام الأميركي، الذي لم يُقنع بجدوى هذه المواجهة، بات أكثر تشككا مع تزايد الأخبار عن تصعيد إقليمي وارتفاع أسعار النفط، وما يرافق ذلك من تأثير مباشر على الاقتصاد، كما أن استقالة مسؤولين امريكيين بارزين احتجاجا على الحرب تعكس تصدعات داخل مؤسسات صنع القرار، وتطرح تساؤلات حول مدى التوافق داخل الإدارة نفسها بشأن هذه المغامرة العسكرية.
خارجيا، فقد اصطدم ترامب بواقع مختلف عن توقعاته، الحلفاء الأوروبيون، الذين لطالما شكلوا غطاء سياسيا وعسكريا للسياسات الأميركية، أبدوا تحفظا واضحا، بل ورفضوا الانخراط في تأمين ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز،هذا الرفض لم يكن مجرد موقف عابر، بل يعكس قلقا عميقا من الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تملك أفقا سياسيا، وقد تجر المنطقة والعالم إلى تداعيات اقتصادية وأمنية جسيمة.
إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تهديد الملاحة فيه، شكّل نقطة تحول حاسمة، فالممر الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، أصبح ورقة ضغط بيد طهران، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وزيادة التوتر في الأسواق العالمية،وهنا يتضح أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صراع اقتصادي عالمي، يدفع ثمنه الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
اللافت أيضا أن امتداد الهجمات إلى عدة دول في الشرق الأوسط، من الخليج إلى العراق ولبنان، أظهر أن إيران قادرة على استخدام شبكة نفوذها الإقليمي بطريقة فعالة، وهذا ما لم يكن في الحسبان لدى صناع القرار في واشنطن، الذين اعتقدوا أن الضربات المباشرة قد تشل قدرة طهران على الرد، لكن الواقع أثبت أن الحروب في الشرق الأوسط لا تُحسم فقط بالجيوش النظامية، بل بتشابك معقد من الفاعلين والأدوات.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الخيارات أمام ترامب تضيق يوما بعد يوم، فالتصعيد المستمر يعني مزيدا من الخسائر والمخاطر، وربما الانزلاق إلى حرب أوسع، أما التراجع، فيحمل كلفة سياسية كبيرة، خاصة في ظل الخطاب الحاد الذي تبناه منذ البداية، وبين هذا وذاك، يظل الخيار الدبلوماسي، رغم صعوبته، المسار الأكثر واقعية، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة وقدرا من البراغماتية التي قد لا تتوفر بسهولة في هذه المرحلة.
المشكلة الأكبر أن أي تسوية محتملة لن تكون ثنائية فقط بين واشنطن وطهران، بل ستتطلب موافقة أطراف أخرى فاعلة، وفي مقدمتها إسرائيل، التي ترى في هذه الحرب فرصة لإضعاف خصمها الاستراتيجي، هذا التشابك في المصالح يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق سريع، ويعني أن أمد الحرب قد يطول، مع ما يحمله ذلك من تداعيات.
في المقابل، تدرك دول الخليج، التي وجدت نفسها في قلب دائرة النار، أن استمرار هذا الصراع يهدد استقرارها بشكل مباشر، لذلك، قد تسعى هذه الدول إلى لعب دور في الدفع نحو التهدئة، أو على الأقل تقليل حدة التصعيد، عبر قنوات دبلوماسية أو وساطات غير مباشرة، فاستقرار المنطقة في نهاية المطاف لا يمكن أن يتحقق دون نوع من التفاهم مع إيران، مهما بلغت حدة الخلافات.
المحصلة، تكشف هذه الحرب عن حدود القوة العسكرية عندما تُستخدم دون رؤية سياسية متكاملة، كما تبرز أهمية قراءة الواقع الإقليمي بتعقيداته، بدلا من الاعتماد على افتراضات مبسطة، ورطة ترامب اليوم ليست فقط في كيفية إدارة الحرب، بل في كيفية الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، سياسيا واستراتيجيا.
التاريخ يعلمنا أن الحروب التي تبدأ دون أهداف واضحة، غالبا ما تنتهي بنتائج غير متوقعة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل يدرك ترامب حجم المأزق الذي يواجهه؟ وهل يمتلك الشجاعة للانتقال من منطق القوة إلى منطق التفاوض؟ أم أن المنطقة والعالم مقبلان على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، عنوانها حرب مفتوحة بلا أفق؟

