بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. رحاب عبد المنعم تكتب: فنكوش الدراما المصرية

د. رحاب عبد المنعم
-

تقتحم الدراما كغيرها من المضامين الإعلامية البيوت دون استئذان مسبق، ويتجاوز تأثيرها في عديد الأحيان تأثير القوى العسكرية، والإستراتيجيات السياسية؛ ذلك كونها إحدى القوى الناعمة التي تمارس فاعليتها الوجدانية والذهنية في عقول وعواطف الجمهور، ومن ثم التأثير المتنامي على ما يتبنوه من اتجاهات، ومواقف، وسلوكيات متباينة؛ وفقًا لاختلاف المتغيرات الثقافية للجمهور الذي يتلقى المضامين، ويتفاعل مع محتواها، ويحاول تقليدها، بل والتقمص الوجداني مع المشاهير والمؤثرين.
وخلال الآونة الأخيرة؛ شهدت الدراما المصرية تخصيص مساحات واسعة من مشاهد العنف؛ بشتى أشكاله: الجسدي، واللفظي، والنفسي، والجنسي، ووصلت هذه المشاهد واللقطات المبتذلة للشارع المصري؛ الذي يشهد ارتفاعًا متناميًا ملحوظًا في معدلات الجرائم الغريبة على طبيعة المجتمع؛ لاسيما في ظل تراجع الدور القويم لبعض أجهزة التنشئة الاجتماعية؛ كالمدرسة، والمسجد/ الكنيسة، والنادي / مركز الشباب، التي من المفترض أن تمارس دورها التربوي في غرس القيم الأخلاقية، وتحقيق مقومات التكافل والتضامن الاجتماعي بين نسيج المجتمع؛ ذلك على نحو مواز من الاضطلاع بدورها التعليمي، أو الرياضي، أو الديني.
ويمكن لأي باحث علمي بسيط؛ مستخدمًا لأدوات تحليل المضمون، أن يرصد الكم الهائل لأفعال العنف، والبلطجة، التي نتجت عن التقليد الأعمى للمشاهد الدرامية، التي صارت فارغة من الرسائل التربوية القومية، أو المشاهد الحوارية الراقية القائمة على الأفكار الفلسفية، فضلًا عن الغياب التام للمسلسلات الدينية، والبرامج التثقيفية والتوعوية، وبرامج المسابقات الهادفة، وغيرها من القوالب الإعلامية التي تقدم المعلومة الصادقة، والنصيحة المثمرة، والحوار البناء، والرأي المستنير.
وقد شكلت هذه المشاهد ملمحًا رئيسًا في وجه المجتمع المصري، الذي صار مشوهًا؛ يعاني غياب الضمير الجمعي، والسلوك الحضاري، في ظل هيمنة معاني الأنانية، والانتهازية، والبلطجة، والضغينة، وغيرها من المفاهيم؛ التي لعبت المؤثرات السمعية والبصرية والسياقات الدرامية المفتعلة دورًا بارزًا في نقلها، وتصويرها بشكل تفصيلي غير مبرر، بل وإطلاق مسميات خادعة عليها؛ لبلوغ أقصى معدلات التحفيز النفسي والعاطفي للمشاهد؛ الذي بات مهيئًا لقبول هذه الأفكار، وتبنيها، بل والمساهمة في ترويجها ونقلها للآخرين؛ لاسيما في ظل الغياب شبه التام للنماذج الإنسانية الناجحة، والمثل العليا التي يتبغي الاقتداء بها، لكنها تعاني التهميش المتعمد من صناع الدراما، أو القائمين على إدارة وتصميم الخرائط الإعلامية.
أحاول من خلال مقالي دق ناقوس الخطر؛ وأنا على يقين تام من وجود عشرات المقالات والموضوعات الصحفية التي تناولت ذات القضية، على نحو مواز من نشر العديد من البحوث العلمية التي تناولت الصورة الذهنية للدراما المصرية، وكيف بغت عليها مشاهد العنف والبلطجة؟، لكن يبقى السؤال قائمًا من المستفيد من خلو المواسم الرمضانية من أي مضمون هادف يقدم دروسًا تنويرية للمشاهد؛ الذي تم تشويه ذوقه عمدًا مع سبق الإصرار والترصد؟ ومن المستفيد من تسليع المرأة إعلانيًا والتجارة بجسدها دراميًا؟ ومن المستفيد من تصدير مشاهد السباب والضرب وشرب الخمر وارتكاب الفواحش كجزء رئيس من حياتنا اليومية؟! .
إن انفجرت القنبلة الموقوتة، فإنها ستعصف بكل أجهزة المجتمع، بل سيتحول ممارسو الإعلام الرخيص والدراما المبتذلة لمشاهدين مكتوفي الأيدي، وهم يشاهدون مظاهر الاجتياح العارم للبلطجة الجماعية، حينها ستصبح الكرة في ملعب الأجهزة التأديبية والعقابية؛ لدرء المخاطر السافرة التي سيدفع أثمانها مواطنون أبرياء لا حول لهم ولا قوة.