بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. محمود فوزي يكتب: المقارنة الاجتماعية بين القرآن والنظرية

محمود فوزي
-

من الصعب والنادر أن تخلو إحدى دراسات الموارد البشرية من الإشارة الصريحة أو الضمنية لمفهوم الرضا؛ باعتباره ظاهرة متعددة الأوجه النفسية والاجتماعية؛ فهو الغاية النهائية التي تجسد مشاعر الطمأنينة، والاستقرار النفسي، وما يتبع هذا الثبات الانفعالي من رزانة عقلية، ورجاحة منطقية؛ تقود الفرد قدمًا نحو اتخاذ خطوات عملية حثيثة صوب رسم ملامح مستقبله المهني، والتمتع بسمات المرونة الذاتية، والتكيف النفسي مع شتى الضغوط المعيشية.
وتتقاطع إشكاليات الأطر النظرية بعلوم الموارد البشرية، وعلم الاجتماع التنظيمي والسلوكي حول اعتبار الرضا نتاجًا طبيعيًا لحزمة متكاملة من المحفزات المادية والمعنوية التي يجنيها الفرد خلال تفاعلاته البشرية؛ سواء بيئته التنظيمية أو في حياته الإنسانية العامة، ولعل من أبرز هذه النظريات: (الحفاظ على الموارد، وتقرير المصير الوظيفي، والتبادل الاجتماعي، والعقد النفسي) وغيرها من الأفكار الفلسفية القائمة على مبدأ المعاملة بالمثل؛ كقاعدة فطرية رئيسة؛ تنبثق منها مسارات التواصل والتفاعل الإنساني؛ القائم على ركائز العدالة، والموضوعية، وتكافؤ الفرص.
وبالطبع؛ يزخر النهج القرآني بعديد الآيات الشارحة لرؤى ومعاني الإلهام الفكري لمفهوم الرضا، كما في آيات :(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) و (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) و (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) و (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وغيرها من الآيات التي تقدم استقراءً بليغًا لفلسفة الحياة الدنيا؛ التي تزخر بأنماط متباينة من الابتلاءات الإلهية التي خلقها وسخرها الله العليم الحكيم؛ كي تمثل اختبارًا للإنسان الساعي بقوة نحو نيل رضا الله ورضوانه، وبلوغ الفوز الأعظم بجنات الله الخالدة.
ويتعرض الإنسان خلال رحلته البشرية لبراثن المقارنة الاجتماعية؛ كإحدى الابتلاءات الإلهية التي خلقها الله لاصطفاء عباده المخلصين؛ من خلال اختبار مستوى الصبر، والإيمان، والقدرة على التحمل، والتمتع بالرضا النفسي، وغيرها من الذخائر اللازمة لكبح جماح الدوافع الفطرية التي تقود الإنسان إلى تقييم نفسه، ومقارنة قدراته المادية والفكرية بالآخرين.
وقد قدمت آيات القرآن نبراسًا استرشاديًا للوجه المنير للمقارنة الاجتماعية الإيجابية؛ كوقود تحفيزي؛ يبعث معاني التفاؤل، والأمل، والطمأنينة، والتمكين النفسي؛ كما في قول الله تعالي: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) و (وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون) فالهدف الأسمى من هذه المقارنة هو التنافس الشريف المحمود بين سائر البشر؛ الذين يسعون في رحاب الأرض؛ قاصدين عمارتها؛ متسلحين بأسباب التقدم، والتطور الذاتي والمجتمعي.
في المقابل قدمت نظريتا التأثير الاجتماعي، والمقارنة الاجتماعية توصيفًا لإشكالية الصراع الإنساني مع نمطي المقارنة التصاعدية، والتنازلية التي يعقدها الفرد مع الآخرين؛ بغية الارتقاء بمكانته الاجتماعية، أو تحسين قدراته الشخصية؛ طامحًا في بلوغ مساحة آمنة من الطمأنينة والراحة النفسية المأمولة؛ لكنه قد يصطدم- وبقوة- بأمواج متلاطمة من فيضان الشعور بالنقص، والحسد، والغيرة، وغيرها من المشاعر السلبية القادرة على إسقاط الفرد من علياء طموحة إلى هاوية السراب البقيعة.
ولعل الرهان الأبرز في هذه الإشكالية؛ يكمن في ثقة الفرد بنفسه، تلك الثقة النابعة من عقيدته، وإيمانه بحكمة الله وعلمه، فهي طوق النجاة التي تنير بصيرة الإنسان؛ كي يرى في المقارنة الاجتماعية دافعًا نفسيًا، وحافزًا ملهمًا نحو الرضا عن الحياة، والتكيف النفسي مع مجرياتها وتقلباتها؛ والأخذ بأسباب النجاح، والسعي في دروب التطور بتفان وإخلاص، واعتزال المقارنات البائسة، واليقين بأن التغيير بيد الله