بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

تخاريف صيام .. حكايات حارتنا ( ٦ ) درب القزازين .. ” الملوخية ” سابقاً !!

درب القزازين
عبد الناصر محمد -

نحن الآن فى قلب التاريخ النابض بالحكايات والروايات والأسرار التى تنقلك إلى عالم ملىء بالإثارة والتشويق .. وموعدنا اليوم مع " درب القزازين " وهو تلك الحارة الضيقة المتفرعة من شارع المعز لدين الله القريبة من " قصر الشوك " وكان باب هذا القصر هو مدخل عطفة القزازين داخل هذا الدرب العتيق ، كما أن هذا الدرب متفرع من شارع " أم الغلام " الشهير خلف مسجد سيدنا الحسين بحى الجمالية.
الدرب كان يعرف فى الأصل بإسم " قائد القواد " نسبة إلى حسين إبن جوهر الصقلى الذى على يديه بُنيت مدينة القاهرة.
كما كان يطلق على الدرب إسم غريب وهو " درب الملوخية " ، وذلك لأن " ملوخيا " صاحب ركاب الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله والمعتنى بشئونه كان من سكان هذا الدرب .. وقبل الحملة الفرنسية تغير عمل سكان هذا الدرب فى تربية دود القز لإستخراج الحرير منه والذى كان يستخدم فى تصنيع كسوة الكعبة المشرفة ، حيث أصبح الدرب مركزا لورش حياكة الحرير وتجهيزه فضلا عن أن سكانه من أبرع مصنعى الملابس فى عصور متعاقبة ولذلك أطلق على الدرب إسم " القزازين " ، والذى أخذ شهرة واسعة فى صناعة النسيج وكذلك الزجاج.
من أبرز معالم درب القزازين تلك الزاوية التى أنشأها الأمير " سيف الدين سنبغا سنة ٧٧٢ هجرية / ١٣٧٠ ميلادية خلال عهد السلطان شعبان وهو من سلاطين المماليك البحرية ، غير أنه تحول إسم الزاوية إلى زاوية سيدى ضرغام والذى يعتقد أنه من الأولياء الصالحين حيث يقال أنه كان مستجاب الدعوة ، ويساعد على الشفاء وفك الكرب وحين مات دفن بداخلها ومكانته كبيرة لدى الجميع لدرجة أن هناك حارس روحانى على ضريحه ، والصنايعية بدرب القزازين يبدأون يومهم بزيارة الضريح تبركا به لحماية ورشهم من المخاطر وبخاصة السرقة و الحريق ، ورغم إهمال هذه الزاوية إلا أن المعتقدات الأسطورية لم تتوقف فيقال أن أنوارا تُرى ليلا وأن محاولات التعدى على حرمة المكان تنتهى بمواقف مرعبة للمعتدين مما حافظ على هذه الزاوية الأثرية رغم تهالكها.


من الحكايات الغريبة فى هذا الدرب ، أن بعض منشآته الأثرية لم تكن موجودة فيه أصلاً ، وأنه تم فك أسبلة كاملة مثل سبيل " اسماعيل مغلوى " من أماكنها الأصلية في ميدان الحسين ونقلها قطعة قطعة لإعادة تركيبها في درب القزازين لحمايتها من الإزالة أثناء التوسعات المرورية قديماً.
كما ترتبط صناعة الزجاج التى يشتهر بها الدرب بأساطير شعبية فكان الحرفيون القدامى يصفون نفخ الزجاج بأنه "حرفة الأرواح" لصعوبتها وخطورتها، وانتشرت قصص عن "جنود خفيين" يحمون الأفران المشتعلة في جوف الحوارى الضيقة.
ومن أهم المعالم الأثرية فى الدرب أيضا سبيل " البازدار " الذى أنشأه محمد أفندى البازدار فى العصر العثمانى عام 1648م ، وكلمة "بازدار" تعنى مركز مرموق فى البلاط العثمانى.
وارتبط الدرب بحكايات الفتوات الذين كانوا يحكمون الحارات بـ "النبوت" ، وهناك قصص شعبية تتحدث عن صراعات خفية بين قبائل الفتوات فى الدروب الضيقة، حيث كانت هذه الأزقة تشهد طقوساً خاصة لفرض السيطرة والحماية، وهي قصص استلهمها الأديب نجيب محفوظ في ملحمة "الحرافيش".
وقد نشأ الفنان عبدالفتاح القصرى فى هذه المنطقة وكان يحلم بأن يصبح واحدا من معلمى المقاهى فى درب القزازين قبل أن يدخل عالم التمثيل ، وكان يتأمل فى شخصيات المنطقة ولذلك كان يجيد أداء دور إبن البلد الشعبى.