المستشار محمد سليم يكتب : أين الوعي في دراما رمضان؟

في شهر رمضان الكريم، الشهر الذي تنتظره الأسر المصرية كل عام ليجتمعوا حول مائدة واحدة وقيم واحدة وروح واحدة، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، هل يستحق الشعب المصري ما يُعرض عليه من مسلسلات تغرق في مشاهد البلطجة والمخدرات والعنف اللفظي والجسدي؟ وهل هذه هي الصورة التي نريد أن نُصدّرها عن مجتمعٍ صنع الحضارة وعلّم الدنيا معنى الفن الراقي؟
رمضان لم يكن يومًا مجرد موسم إعلاني تتسابق فيه الشركات، ولا ماراثونًا لعدد المشاهدات على المنصات، بل كان مناسبة سنوية تتجلى فيها القوة الناعمة المصرية بأبهى صورها. منذ عقود، قدمت الدراما المصرية أعمالًا صنعت الوجدان، ولامست الضمير، وناقشت قضايا المجتمع بعمق ومسؤولية. كانت الشاشة تدخل كل بيت، فتحترم عقل الأسرة، وتراعي خصوصية الشهر، وتوازن بين الترفيه والرسالة.
اليوم، ونحن نتابع خريطة المسلسلات، نجد أنفسنا أمام مشاهد متكررة، شاب يرفع سلاحًا أبيض ليفرض سطوته، تاجر مخدرات يتحول إلى بطل شعبي، ألفاظ سوقية تتسلل إلى بيوت المصريين دون استئذان، وصراعات عبثية تُقدَّم باعتبارها بطولة وشهامة. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين الوعي؟
لسنا ضد عرض الواقع، ولا ضد تناول قضايا الجريمة أو الانحراف، فالفن الحقيقي لا يهرب من مشكلات المجتمع، لكنه يعالجها برؤية نقدية تُدين الخطأ ولا تمجده، تُفكك الظاهرة ولا تزينها، المشكلة ليست في الموضوع، بل في طريقة التناول. حين يتحول البلطجي إلى نجم، وحين يُصوَّر تاجر السموم باعتباره صاحب كلمة ورجل مواقف، فإن الرسالة التي تصل إلى الشباب تصبح ملتبسة وخطيرة.
الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل خطاب ثقافي يتسلل إلى الوعي الجمعي، ويعيد تشكيل مفاهيم البطولة والنجاح والرجولة. حين تتكرر صورة العنف باعتبارها الوسيلة الوحيدة لفرض السيطرة، فإننا نُعيد إنتاج ثقافة القوة الغاشمة بدلًا من ثقافة القانون. وحين يتم تبرير المخدرات بوصفها “ظرفًا اجتماعيًا” دون إدانة واضحة، فإننا نُسهم في تطبيع الجريمة بدلًا من مقاومتها.
أين الوعي لدى صناع الدراما وهم يعلمون أن ملايين الأطفال والمراهقين يتابعون هذه الأعمال؟ أين المسؤولية الاجتماعية لشركات الإنتاج التي تُنفق الملايين على مشاهد مطاردات واشتباكات، بينما يمكن توظيف جزء من هذه الميزانيات في كتابة نصوص تعالج قضايا التعليم، والعمل، والأسرة، والانتماء، والتحديات الاقتصادية بروح إيجابية وبنَّاءة؟
لقد أثبتت التجربة أن العمل الجيد لا يحتاج إلى صراخ أو دماء ليحقق النجاح. الجمهور المصري ذكي بطبعه، ويستطيع التمييز بين العمل العميق والعمل السطحي. وحين قُدمت نماذج درامية تحترم العقل، وتُعيد قراءة التاريخ الوطني، أو تطرح قضايا اجتماعية بحس إنساني راقٍ، حققت نجاحًا جماهيريًا ونقديًا معًا،هذا يعني أن المشكلة ليست في “ذوق الجمهور” كما يحاول البعض تبرير الانحدار، بل في الرهان الخاطئ على الإثارة الرخيصة.
رمضان شهر عبادة وتأمل وتكافل، فكيف يتحول إلى موسم لسباق الألفاظ الخارجة ومشاهد العنف؟ كيف تجلس الأسرة بعد الإفطار لتجد نفسها مضطرة إلى تغيير القناة أو شرح مفاهيم مشوهة لأبنائها؟ هل هذه هي الصورة التي تليق بمجتمعٍ قدّم روائع فنية ما زالت تُعرض حتى اليوم باحترام وتقدير؟
الأخطر من ذلك أن الإصرار على هذه النوعية من الأعمال يخلق حالة من الاعتياد. ما كان صادمًا قبل سنوات أصبح عاديًا اليوم، وما كان مرفوضًا أصبح مقبولًا بحجة “هذا هو الواقع”، لكن الواقع ليس قدرًا محتومًا، والفن الحقيقي دوره أن يرتقي به لا أن يستسلم له، إذا كنا نعاني من ظواهر سلبية، فالأجدر أن نُنتج أعمالًا تُقدم نماذج بديلة، شخصيات ناجحة بالكفاح، قصصًا تُلهم الشباب بدلًا من أن تُغرقهم في سوداوية مكررة.
أين الوعي النقدي لدى المؤسسات المعنية؟ وأين دور النقاش المجتمعي حول ما يُعرض في أكثر مواسم المشاهدة تأثيرًا؟ القضية ليست دعوة للرقابة المشددة بقدر ما هي دعوة إلى ضمير حيّ، وإدراك بأن الدراما قوة ناعمة حقيقية، قادرة على دعم الاستقرار وترسيخ الهوية الوطنية، كما أنها – إذا أسيء استخدامها – قد تُربك القيم وتُشوّه الصورة.
إن الشعب المصري، بتاريخ حضارته وثقافته ووعيه، يستحق دراما تليق به. يستحق أعمالًا تُحاكي طموحاته، وتُناقش أزماته بصدق دون ابتذال، وتُبرز نماذج إيجابية في الطب، والهندسة، والتعليم، والعمل التطوعي، والبحث العلمي، كما تُبرز قصص التضامن والرحمة التي نراها يوميًا في الشارع المصري.
لسنا ضد المتعة، فالفن وُجد أيضًا ليُسعد الناس، لكن المتعة لا تعني الانحدار، والإثارة لا تعني الترويج للعنف. المطلوب توازن رشيد بين الدراما الجاذبة والرسالة المسؤولة، المطلوب أن نسأل أنفسنا بصدق ماذا نزرع في عقول أبنائنا كل ليلة في رمضان؟
يبقى السؤال معلقًا: أين الوعي؟
وعي الكاتب قبل أن يكتب، ووعي المنتج قبل أن يمول، ووعي المخرج قبل أن يصور، ووعي المشاهد قبل أن يمنح صوته ونسب مشاهدته. فإذا تكامل هذا الوعي، عادت الدراما المصرية إلى مكانتها الطبيعية، منارة للفن الراقي، وصوتًا حقيقيًا يعبر عن مجتمعٍ يستحق الأفضل دائمًا.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض

