ممدوح الششتاوي يكتب: اتحاد جنوب المتوسط والشرق الأوسط: ميلاد قوة كروية جديدة

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة شعبية، بل تحولت إلى صناعة عالمية كبرى تُدار بأدوات الاقتصاد والاستثمار، وتُقاس نجاحاتها بحجم العوائد المالية وقوة العلامة التجارية والانتشار الإعلامي. واليوم، تقود مؤسسات كبرى مثل FIFA وUEFA عملية تطوير مستمرة لمنظومة اللعبة، عبر توسيع البطولات وزيادة عدد المباريات، بما يحقق تعظيمًا للعوائد التسويقية وحقوق البث والرعاية.
فقد اتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة عدد الأندية المشاركة في بطولاته، واستحداث مسابقات جديدة، الأمر الذي ضاعف من عدد المباريات، ومن ثمّ الجماهير والعوائد. وعلى المستوى الدولي، وسّع الاتحاد الدولي نطاق كأس العالم، وأطلق نسخًا موسعة من كأس العالم للأندية، وضم بطولات إقليمية إلى مظلته، بما عزز موارده المالية وموارد الاتحادات والأندية المشاركة.
غير أن هذه الطفرة التنظيمية التي تبدو سهلة التطبيق في أوروبا، لا يمكن إسقاطها بنفس الآليات على القارة الإفريقية.
تخضع المسابقات الإفريقية لإشراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وهو كيان تاريخي مهم، إلا أن الواقع الجغرافي واللوجستي للقارة يفرض تحديات معقدة، من أبرزها:
1. اتساع الرقعة الجغرافية
القارة الإفريقية تمتد آلاف الكيلومترات شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، ما يجعل تنقل الفرق بين دولها مرهقًا زمنيًا وبدنيًا.
2. ضعف الربط الجوي المباشر
لا توجد خطوط طيران مباشرة بين العديد من العواصم الإفريقية، ما يضطر الفرق إلى رحلات طويلة عبر محطات وسيطة، تزيد من التكلفة والإجهاد.
3. قيود التأشيرات
تواجه الجماهير صعوبات كبيرة في مرافقة أنديتها، بسبب اشتراطات التأشيرة بين معظم الدول الإفريقية، مما يقلل من الحضور الجماهيري العابر للحدود.
4. ارتفاع التكلفة التشغيلية
تكاليف السفر والإقامة والتنظيم تلتهم جزءًا كبيرًا من ميزانيات الأندية، ما يؤثر على قدرتها الاستثمارية.
5. ضعف العائد التسويقي
نتيجة للعوامل السابقة، يقل الحضور الجماهيري الدولي، وتنخفض جاذبية البطولات للرعاة وشركات البث مقارنة بالنموذج الأوروبي.
في ضوء هذه التحديات، يبرز مقترح إنشاء اتحاد جنوب المتوسط والشرق الأوسط لكرة القدم كخيار استراتيجي، يقوم على إعادة التنظيم الجغرافي بما يتماشى مع الاعتبارات الاقتصادية واللوجستية الحديثة.
لماذا هذه المنطقة تحديدًا؟
• تقارب جغرافي واضح بين دول شمال إفريقيا ودول الشرق الأوسط.
• شبكة طيران كثيفة ويومية بين العواصم.
• تقارب ثقافي وجماهيري يعزز الحضور الإعلامي.
• قوة شرائية عالية وأسواق إعلانية واعدة.
• بنية تحتية رياضية متقدمة في عدد كبير من الدول.
هذا يؤدي الي
1. تعظيم العوائد المالية
زيادة عدد المباريات الإقليمية ذات التنافسية العالية تعني ارتفاع قيمة حقوق البث والرعاية.
2. تقليل التكاليف
اختصار زمن السفر وتقليل الرحلات الطويلة يخفض من النفقات التشغيلية للأندية.
3. تعزيز الحضور الجماهيري
سهولة الانتقال بين الدول تشجع الجماهير على مرافقة فرقها، ما يرفع من القيمة التسويقية.
4. خلق سوق انتقالات إقليمي قوي
المنطقة تضم قاعدة بشرية كبيرة ومواهب متعددة، ما يخلق سوقًا تنافسيًا منظمًا.
5. رفع مستوى التنافس
الاحتكاك المنتظم بين أندية المنطقة يرفع من الجودة الفنية ويزيد من فرص التطوير.
تكامل إفريقي لا انقسام .
لا يهدف المقترح إلى إضعاف المنظومة الإفريقية، بل إلى إعادة توزيعها جغرافيًا بما يحقق الكفاءة الاقتصادية. فبالتوازي مع اتحاد جنوب المتوسط والشرق الأوسط، يمكن إنشاء اتحاد يضم دول وسط وشرق وجنوب إفريقيا، حيث توجد أيضًا روابط جغرافية واقتصادية يمكن استثمارها.
وبذلك تتحقق معادلة متوازنة:
تقليل الأعباء اللوجستية، تعظيم العوائد، رفع التنافسية، وتحقيق استدامة مالية للأندية والاتحادات.
صحيح أن توسيع البطولات يفرض ضغطًا بدنيًا على اللاعبين ويزيد من احتمالات الإصابات، لكن الإدارة الذكية للروزنامة، وتوسيع قاعدة القيد، يمنحان الفرصة لظهور مواهب جديدة ويعززان عمق التشكيلات.
لقد أثبتت التجربة الأوروبية أن التخطيط الجغرافي والاقتصادي السليم هو أساس النجاح. وإذا كانت أوروبا قد نجحت عبر نموذج تكاملي تقوده UEFA، فإن منطقتنا تمتلك المقومات ذاتها، بل ربما فرصًا أكبر للنمو نظرًا لحجم السوق غير المستغل بالكامل.
إن إنشاء اتحاد جنوب المتوسط والشرق الأوسط ليس مجرد فكرة تنظيمية، بل رؤية اقتصادية استراتيجية تستجيب لواقع جغرافي، وتستثمر في سوق واعد، وتضع كرة القدم في مسار أكثر كفاءة واستدامة.
إنها دعوة لإعادة التفكير في خريطة المنافسات، ليس من منطلق عاطفي، بل برؤية اقتصادية حديثة تضع مصلحة الأندية واللاعبين والجماهير في قلب القرار

