بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى جهاد عبد المنعم يكتب : وزير الاتصالات يقود مجلس حرب لحماية أطفالنا من مخاطر العالم الرقمي

الكاتب الصحفى جهاد عبد المنعم
-

لم يكن اجتماع لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب برئاسة النائب أحمد بدوي اجتماعًا عاديًا أو جلسة بروتوكولية عابرة، بل بدا المشهد وكأنه مجلس حرب مكتمل الأركان، اجتمعت فيه الدولة بمؤسساتها ووزاراتها المعنية، بحثًا عن كيفية حماية أطفال مصر وإنقاذهم من مصير رقمي مجهول لا يرحم الضعفاء ولا يعترف بالبراءة.
في قلب هذا المشهد، برز الدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لا كمسؤول يؤدي واجبًا رسميًا، بل كعقل دولة واعٍ بخطورة اللحظة، يدرك أن معركة المستقبل لم تعد بالسلاح التقليدي، وإنما بالعقول، وأن الطفل المصري أصبح مستهدفًا يوميًا عبر شاشات صغيرة تحمل في ظاهرها الترفيه، وفي باطنها أخطر أدوات الهدم النفسي والاجتماعي.
حديث وزير الاتصالات لم يكن خطابًا إنشائيًا، بل أقرب إلى تشخيص طبي دقيق لحالة مرضية متفاقمة، أعقبه طرح روشتة علاج واضحة المعالم، ممسكًا بيده مشرط الجراح، يحدد مواضع الخطر دون مواربة أو تجميل. فقد أكد أن الدولة لا تتحرك برد الفعل، وإنما بخطة استباقية للتنبؤ بالمخاطر التي تحيط بالأطفال على الإنترنت، ومواجهتها من خلال خمسة محاور متكاملة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الفضاء الرقمي وتعقيداته.
هذه المحاور، التي استعرضها الوزير، تبدأ بتطبيق معايير حماية عمرية صارمة على استخدام بعض التطبيقات والألعاب والمواقع الخطرة، مرورًا بحجب الألعاب الرقمية التي تُنشئ دوائر اجتماعية مغلقة تستدرج الأطفال نفسيًا وعاطفيًا، وصولًا إلى نشر الوعي داخل الأسرة المصرية بكيفية فرض إعدادات الأمان على متصفحات الأطفال والتطبيقات التي يستخدمونها، مع إلزام المنصات الرقمية بإعدادات افتراضية آمنة للطفل لا تتركه فريسة سهلة للخوارزميات الجشعة.
ولم يتوقف طرح وزير الاتصالات عند حدود الحجب أو المنع، بل امتد إلى بناء الإنسان، من خلال التعاون مع وزارة التربية والتعليم لإدماج مفاهيم السلامة الرقمية داخل المناهج والأنشطة المدرسية، في خطوة تعكس إيمانًا بأن الحماية الحقيقية تبدأ بالوعي، لا بالمصادرة.
وخلال الجلسة، كشف الدكتور عمرو طلعت بوضوح عن أخطر المحاور التي تهدد الأطفال، وعلى رأسها الدوائر الاجتماعية الرقمية المغلقة، التي تُبنى فيها علاقات ثقة وهمية بين الأطفال وأشخاص مجهولين، يتم استغلالها لاحقًا في التأثير العاطفي والنفسي، ودفع الطفل للسعي المستمر وراء القبول والرضا، بما يُسهل السيطرة عليه، فضلًا عن انتشار ما يُعرف بـ”القدوة السلبية الزائفة” التي تُطبع السلوكيات المنحرفة وتُحول الخطأ إلى أمر اعتيادي.
كما تطرق الوزير إلى منصات الألعاب الخطيرة، موضحًا أنها لم تعد مجرد وسائل ترفيه، بل تحولت إلى فضاءات تواصل مفتوحة تحمل مخاطر متعددة، من التعرض لمحتوى غير ملائم، إلى العنف، والاستدراج عبر تحديات مدمرة، وصولًا إلى الإدمان الرقمي والإنفاق المفرط، في ظل غياب رقابة حقيقية على ما يُعرف بالمحتوى الذي ينتجه المستخدمون.
ولم يغفل وزير الاتصالات عن الإشارة إلى خطر الخوارزميات الموجهة، المصممة لزيادة التفاعل والمشاهدة عبر تحليل سلوك الأطفال واهتماماتهم ومخاوفهم، بما يدفعهم تدريجيًا نحو محتوى أكثر تطرفًا، ويُرسخ قيمًا وسلوكيات سلبية تهدد التوازن النفسي والاجتماعي للطفل.
الأهم في طرح الدكتور عمرو طلعت، أنه وضع معادلة شديدة الدقة قوامها التوازن بين الحماية والحرية، مؤكدًا أن الهدف ليس حرمان الأطفال من منافع الفضاء السيبراني، ولا الإفراط في تقييد استخدامهم، وإنما ضمان حقهم في التعلم واللعب والتواصل داخل بيئة رقمية سوية تحافظ على إنسانيتهم وسلامهم النفسي.
ما جرى داخل لجنة الاتصالات كان رسالة واضحة بأن وزير الاتصالات يقود ملفًا من أخطر ملفات الأمن المجتمعي بعقلية واعية ومسؤولية وطنية، في إطار تنفيذ توجيهات القيادة السياسية ببناء إنسان مصري قادر على مواجهة تحديات العصر، دون أن يدفع ثمنًا نفسيًا أو أخلاقيًا باهظًا.
لقد أثبت الدكتور عمرو طلعت أن حماية الأطفال في العصر الرقمي ليست ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة وجودية، وأن الدولة التي تريد مستقبلًا قويًا، تبدأ أولًا بحماية عقول صغارها.