بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

حمّام الملاطيلي.. تجربة فريدة في قلب القاهرة الشعبية

حمام مجروش
أحمد صالح -

في قلب شارع أمير الجيوش المتفرع من ميدان باب الشعرية بالقاهرة القديمة، يقف حمام مجروش أو حمام الملاطيلىكأحد آخر الشهود على التراث الشعبي المصري، شاهدًا على آلاف الحكايات التي تعكس حياة الأجيال المصرية.

الحمام يُعد من أقدم الحمامات التي لا تزال قائمة في القاهرة حيث يمتد عمره لأكثر من ستة قرون وقد حافظ على طابعه المعماري التقليدي رغم مرور الزمن والتغيرات الاجتماعية التي اجتاحت المدينة. إقبال الزائرين على الحمام تفتح نافذة على الماضي وتعطي شعورًا بالتواصل مع تاريخ المجتمع المصري الذي ارتبط الحمام في وجدانهم بالروابط الاجتماعية والنظافة والصحة العامة

جذور تاريخية وأصل الحمام

يعود تأسيس حمام مجروش إلى أواخر العهد المملوكي وقد كانت الحمامات العامة في مصر منذ الفتح الإسلامي جزءًا أساسيًا من النسيج الحضري للمدن الإسلامية، إذ كانت تؤدي دورًا اجتماعيًا وثقافيًا لا يقتصر على النظافة فقط بل كان ملتقى لتبادل الأخبار ومكان للاجتماعات الصغيرة والتحضير للمناسبات الاجتماعية كالأعراس والأعياد.

وقد ازدهرت الحمامات في العصر الفاطمي والمملوكي والعثماني لتصبح جزءًا من الحياة اليومية للناس وكانت القاهرة في القرن التاسع عشر تضم أكثر من 130 حمامًا شعبيًا قبل أن يقل عددها مع انتشار المياه والصرف الصحي في المنازل الحديثة.

حمام مجروش سجل كأثر رسمي في سجلات الآثار المصرية منذ خمسينيات القرن الماضي ويُعد من الأماكن التي حافظت على تصميمها الأصلي بما يشمل القباب والبلاطات والزخارف الحجرية

العمارة الداخلية للحمام

عند دخول الزائر من باب الحمام الضيق تبدأ رحلته في عالم مختلف، حيث يمر أولًا بغرفة المسلخ التي يخلع فيها ملابسه على مصاطب الرخام ثم ينتقل إلى بيت أول وهو غرفة انتظار دافئة لاستقبال الرواد قبل دخول حجرات الحرارة والبخار حيث يتم التدليك بالكيس الخشن أو بالأقمشة الخاصة والزيوت الطبيعية التي تساعد على فتح المسام وتنشيط الدورة الدموية.

وبعد الانتهاء من عملية التدليك يدخل الزائر إلى حجرة التبريد قبل مغادرة المكان لتكتمل رحلة الحمام التقليدية التي تمثل طقسًا اجتماعيًا وتراثيًا يجمع بين الماضي والحاضر والحمام مقسم لساعات مخصصة للرجال والصباح للسيدات ويظل يحافظ على هذه العادة القديمة رغم التغيرات في نمط الحياة.

الحمام في الثقافة الشعبية والسينما

لقد اكتسب حمام مجروش شهرة أكبر بعد أن أصبح رمزًا للحمامات الشعبية في الثقافة المصرية وتم ذكره في الأعمال الفنية والسينمائية التي تسلط الضوء على نمط الحياة الشعبية. يُعتبر الحمام مثالًا على التراث الحي الذي يجمع بين العمارة التقليدية والتقاليد الاجتماعية وكان دائمًا مكانًا للقاءات العائلية والاجتماعية وأحيانًا للقاء المشاهير والفنانين في الماضي الذين اعتادوا زيارة الحمام الشعبيى ضمن حياتهم اليومية. الرواد الحاليون يروون ذكرياتهم مع الحمام من أجيال مختلفة ويعبرون عن ارتباطهم العاطفي بالمكان الذي يمثل جزءًا من هويتهم وتراثهم

حمام مجروش بين الماضي والحاضر

رغم تقلص عدد الحمامات الشعبيه في القاهرة مع انتشار النوادي الصحية والسبا الحديثة إلا أن حمام مجروش ما زال صامدًا محافظًا على رونقه الخاص وشكله المعماري التقليدي الذي يروي قصة حي الجمّاليّة. الحمام يقدم تجربة مختلفة للزائر حيث يشعر بالهدوء والدفء ويرى تفاصيلالحياه التقليديه المصرية ويختبر طقسًا عمرانيًا واجتماعيًا نادرًا في المدن الحديثة. إنه ليس مجرد حمام للغسل والاستحمام بل هو وثيقة حية توثق تاريخًا يمتد لقرون طويلة ويحكي قصص الناس وحياتهم اليومية.

حمام مجروش ليس مجرد حمام شعبي بل هو شاهد حي على التاريخ الشعبي في القاهرة، ويجسد العلاقة بين الإنسان ومكانه وتراثه، ويظل الحمام مثالًا على الصمود في وجه التغيرات العمرانية والاجتماعية، ويحافظ على روح الماضي والذكريات التي تجعل منه مكانًا مميزًا يربط بين الأجيال ويقدم للزائر تجربة فريدة تجمع بين العمارة والتقاليد والثقافة الشعبية.