بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : فينك يا حكومة الدواجن خارج السيطرة

المستشار محمد سليم
-

في جمهوريةٍ تُعلن ليل نهار أنها حققت الاكتفاء الذاتي من الدواجن، وأن لديها فائض إنتاج يصل إلى 25%، يقف المواطن المصري مذهولًا أمام محلات بيع الفراخ، لا يسأل عن الجودة ولا عن الوزن، بل عن قدرته على الدفع، فنحن لا نتحدث عن كافيار أو سلمون نرويجي، بل عن فراخ، الوجبة الشعبية التي كانت آخر خطوط الدفاع عن موائد الغلابة.
كيلو الفراخ البيضاء اليوم بـ110 جنيهات، بعد أن كان أمس بـ105، وأمس الأول بـ90، وقبل أسبوعين بـ70، وقبل شهرين هبط إلى 60 جنيهًا، ومع ذلك لا أحد يشرح، ولا أحد يبرر، ولا أحد يتحمل مسؤولية، بل التوقعات تتحدث بكل ثقة عن وصول السعر إلى 125 جنيهًا وربما أكثر، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وزيادة الاستهلاك، وكأن الجشع له موسم عبادة خاص به.
هذه القفزات الجنونية لا علاقة لها بعرض أو طلب، ولا بآليات سوق، ولا باقتصاد حر، بل هي قفز بالزانة في جيب المواطن، وقفز على المنطق، وقفز على الدولة نفسها.
المشهد في الشارع عبثي، كيلو البانية في منطقة بـ180 جنيهًا،والارقام تتدرج حسب المنطقة من 240 الى 280 جنيهًا، وكأننا لا نعيش في دولة واحدة، ولا نخضع لقانون واحد، ولا نملك أجهزة رقابية يُفترض أنها لا تنام، فيصبح السؤال الساخر الحزين معًا، هل أسعار الدواجن تُحدد بالبورصة أم بالهوى؟
الأغرب أن الاتهام لم يأتِ من مواطن غاضب ولا منشور عابر على فيسبوك، بل من قلب الصناعة نفسها، حين أكد سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة الجيزة التجارية، أن مصر لديها اكتفاء ذاتي وفائض 25%، ولا يوجد أي مبرر لارتفاع الأسعار، وأن الحلقة الوسيطة، وبالأخص محال بيع الطيور الحية، هي القنبلة الموقوتة في سوق الدواجن، فكل تاجر يسعّر على مزاجه، وكيلو البانية الذي لا يجب أن يزيد على 180 جنيهًا يُباع بـ260 بلا سبب وبلا منطق وبلا رقيب، ليصبح التصريح بلاغًا رسميًا ضد منظومة كاملة.
وهنا، قبل أي تنظير اقتصادي أو شماعة اسمها العرض والطلب، يفرض نفسه السؤال الذي تهرب منه الحكومة - المرتبات هل زادت ؟ هل زادت دخول الناس؟ هل تحسنت الأجور؟ هل حصل الموظف على مكافأة حقيقية؟ أم أن المرتبات ثابتة كأنها أثر فرعوني، والمكافآت مجرد عناوين صحفية، والدخل واقف مكانه، بينما الفراخ تجري ماراثون يومي في الأسعار، فالدولة ترفع، والتاجر يزوّد، والمواطن مطلوب منه يتأقلم- يتأقلم بإيه؟ وبكام؟ وعلى حساب مين؟؟؟؟!!!!!!!!
ثم نصل إلى السؤال الأخطر: أين الحكومة؟ أين وزارة التموين؟ أين التنمية المحلية؟ أين المحافظون؟ وجيوشهم الجرارة التى تحصل على المرتبات والمكافأت والذى منة ، أين مباحث التموين؟ أم أن هذه الأجهزة لا تظهر إلا في المواسم والبيانات المصورة ؟
الدولة نفسها تعترف بأنها تستورد شهريًا نحو 900 ألف طن من الذرة الصفراء والصويا، تمثل 95% من مدخلات الإنتاج، والدولار مستقر، بل يتراجع، والأعلاف متوفرة، والإنتاج فائض، ورغم ذلك ترتفع الأسعار بلا سقف، فيبقى السؤال معلقًا في الهواء- من يسرق الفرق؟
ما يحدث في سوق الدواجن اليوم هو بيع «سداح مداح» كامل الأركان، لا تسعير، لا التزام، لا رقابة، ولا حتى خجل، كل تاجر أصبح وزيرًا في منطقته، يرفع السعر متى شاء ويخفضه إن شاء، والمواطن هو الضحية الدائمة.
الأخطر أن الفراخ لم تعد مجرد سلعة غذائية، بل أصبحت مؤشرًا على قدرة الدولة على ضبط أسواقها، فإذا كانت الحكومة عاجزة عن ضبط كيلو فراخ، فكيف ستقنع الناس بأنها قادرة على ضبط ملفات أكبر وأعقد؟
والأعجب أن كل هذا يحدث بينما القانون موجود منذ عام 2009، قانون رقم 70 لسنة 2009 الذي ألغى تراخيص نقل وتداول الطيور الحية، ومع ذلك تعمل محال بيع الطيور الحية حتى اليوم وكأن القانون لم يولد أصلًا، فلا تطبيق، ولا مساءلة، ولا تفسير.
نحن نتحدث عن صناعة حجم استثماراتها 250 مليار جنيه، تحظى باهتمام مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وحققت الاكتفاء الذاتي، وكان يُفترض أن تكون نموذجًا للانضباط، لكن الواقع يقول إن السوق تُدار بعقلية «سيبها على الله»، بينما رئيس شعبة الدواجن نفسه يؤكد أن السعر العادل في المزرعة لا يجب أن يزيد على 75 جنيهًا، وأن تصل للمستهلك بـ85، والفارق بين هذا الرقم وما يراه المواطن يوميًا هو دليل إدانة لا يحتاج شرحًا.

ويبقى السؤال الذي لا تهرب منه أي حكومة مهما طال الصمت، ماذا يأكل المواطن في ظل هذا الارتفاع الجنوني لأسعار الفراخ؟ اللحوم الحمراء أصبحت خارج الحسابات، والأسماك نار، والفراخ التي كانت بروتين الغلابة خرجت من الخدمة، وحتى البدائل لم تسلم، فالطماطم وصلت إلى عشرين جنيهًا للكيلو وتوقعات بزيادتها مع دخول شهر رمضان، والبصل يغازل أسعارًا فلكية، والخضار كله يتحرك كل ساعة بلا سبب ولا منطق، بينما الرغيف نفسه، خط الدفاع الأخير، وصل إلى 3 جنيهات، وكأن الدولة قررت رفع الحماية عن أبسط حقوق العيش، فلا فول نافع، ولا عدس رخيص، ولا بيض في المتناول، ليصبح المواطن محاصرًا بين أسعار تشتعل كل يوم ودخل لا يتحرك، ويغدو السؤال المؤلم مشروعًا، هل أصبح الأكل نفسه رفاهية؟ وهل المطلوب أن يعيش المواطن على الصبر، ويتغذى على التحمل، ويتعشى على الوعود؟ لم يعد المواطن غاضبًا فقط، بل على وشك شق هدومه، أو الهروب من أسرته خجلًا، لا قسوة، هروب العاجز لا المقصر، المواطن الذي يخرج صباحًا ليعمل ويعود مساءً محمّلًا بالهم، غير قادر على تلبية أبسط متطلبات بيته، عاجز عن شراء فراخة، أو خضار، أو حتى رغيف يكفي أولاده، فيجلس صامتًا أمام عيون أطفال تسأل ولا تفهم، وزوجة تحاول التماسك، وبيتٍ ينهار ببطء تحت ضغط الأسعار، لا تحت ضغط الكسل، فالعجز حين يصل إلى المائدة يتحول إلى كسر نفس، ومع كل زيادة جديدة، يشعر المواطن أن الكرامة نفسها تُسحب من تحت قدميه، لا لأنه لا يريد، بل لأنه لم يعد قادرًا.
الخلاصة أن ما يحدث ليس أزمة فراخ، بل أزمة إدارة، وأزمة رقابة، وأزمة حكومة غائبة، والمطلوب الآن اجتماع عاجل برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، يضم وزير التنمية المحلية والمحافظين، اجتماع مواجهة لا بروتوكول، بتكليفات واضحة ضبط الأسواق فورًا، كسر جشع التجار، تفعيل القوانين المعطلة، وتشغيل بورصة الدواجن، ومحاسبة اى محافظ لا يستطيع مواجهة تلك القفزات غير المبررة لاسعار الدواجن ، نريد محاسبة ، وإقالة اى مسئول يقف متفرجاً على معاناة الاسر المصرية

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض