بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتبة الصحفية إيمان حمدي سراج تكتب .. كيف نُرهق الزواج باسم الفضيلة؟

إيمان حمدي سراج
-

كيف نُرهق الزواج باسم الفضيلة؟

في مجتمع يرفع شعارات تقديس الأمومة والزواج، لكنه عمليًا يتعامل مع تضحيات الزوجة باعتبارها أمرًا طبيعيًا لا يستحق التوقف عنده، تتحول صور ما قبل الزواج إلى شهادة صامتة على ما فُقد. ليست المسألة ملامح أصغر سنًا فقط، بل امرأة كانت ترى نفسها بوضوح: أحلام، رغبات، ضحكة بلا حساب. ثم، وبهدوء شديد، ينتقل مركز الحياة من “أنا” إلى “أنتم”.
الزوجة لا تتخلى عن ذاتها فجأة، بل تُستنزف تدريجيًا؛ حلم يُؤجَّل، احتياج يُقزَّم، ورغبة تُصنَّف كترف. يصبح العطاء الكامل هو القاعدة، وأي شكوى تُفسَّر كتمرد على الدور. المجتمع لا يفرض هذا بالقوة، بل بالتطبيع: يصفق للمرأة التي “تستحمل”، ويمدح الصامتة، ويشكك في التي تطلب تقديرًا أو اعترافًا.
التعب اليومي، السهر الطويل، القلق الدائم، والوجع المختبئ خلف الابتسامة، لا يُرى ولا يُكافأ، وكأن التقدير رفاهية لا حق إنساني. والجمال الذي يُقال إنه غادر ملامح الزوجة لم يختفِ، بل أُعيد توزيعه في أمان الأبناء، واستقرار البيت، والقدرة على الصمود. ومع ذلك، لا تزال الثقافة السائدة تقايض المرأة بين العطاء والصمت، وتتعامل مع طلب التقدير كأنه عبء أو ابتزاز عاطفي.
الحديث المتزايد عن إنهاك الأمهات، والـBurnout الأسري، وارتفاع نسب الطلاق، لم يأتِ من فراغ. هو نتيجة طبيعية لبيوت تُدار بالصمت، وعلاقات تقوم على افتراض أن الحب وحده يكفي، وأن التقدير تفصيلة هامشية. كثير من البيوت لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين يتحول العطاء إلى استنزاف، والاحتياج إلى عبء.
وفي المقابل، لا يخرج الرجل رابحًا من هذه المعادلة. هو الآخر أسير نموذج اجتماعي يطالبه بالقوة الدائمة، والصمت، وتحمل المسؤولية بلا شكوى، وتُختزل قيمته في قدرته على الإنفاق. فيتحول إلى شريك مُنهك، حاضر جسديًا، غائب عاطفيًا.
هكذا تصبح العلاقة الزوجية معادلة مختلة: زوجة تُرهق باسم الفضيلة، وزوج يُستنزف باسم المسؤولية، وأسرة تفتقد أبسط مقومات الاستمرار: الاعتراف المتبادل. فالعطاء الحقيقي لا يكون في اتجاه واحد، ولا يُقاس بالكَم، بل بالاعتراف. كلمة بسيطة مثل: “أنا شايف تعبك” ليست مجاملة، بل ضرورة لإنقاذ العلاقة.
ربما آن الأوان لإعادة النظر في خطابنا الاجتماعي؛ أن نتوقف عن تمجيد التحمل غير المشروط، وأن ندرك أن الصبر بلا تقدير ليس فضيلة، بل وصفة مؤكدة للإنهاك. وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نريد بيوتًا قائمة شكليًا، أم علاقات حقيقية يعيش فيها الطرفان كإنسانين لا كأدوار؟
أخطر ما قد يصيب العلاقات، أن نعتاد غياب التقدير… ثم نندهش حين يصبح الغياب هو القاعدة.