ممدوح الششتاوي يكتب.. التكافل الاجتماعي في مصر… روح وطنية تصنع التماسك وتُجسّد الإنسانية

يُعدّ التكافل الاجتماعي أحد أبرز السمات المتجذّرة في الشخصية المصرية، فهو ليس مجرد سلوك اجتماعي عابر أو ردّ فعل مؤقت لأزمات اقتصادية أو إنسانية، بل منظومة قيمية وأخلاقية تشكّلت عبر قرون طويلة، عبّرت خلالها عن وعي المجتمع المصري بأهمية التضامن والتراحم والتكافل بين أفراده باعتبارها الأساس الحقيقي للاستقرار والتماسك الوطني.
عرف المصريون التكافل منذ فجر التاريخ، حين كانت المجتمعات الزراعية القديمة تقوم على التعاون في الزراعة والحصاد وبناء البيوت ومواجهة الكوارث الطبيعية. ومع تعاقب الحضارات، ظل هذا السلوك الإنساني ثابتًا في الوجدان الجمعي، وانتقل من كونه ضرورة حياتية إلى قيمة أخلاقية واجتماعية راسخة تُجسّد هوية المجتمع وروحه.
وفي العصرين الإسلامي والمسيحي الوسيطين، تعزّز مفهوم التكافل من خلال منظومات الوقف والزكاة والصدقات والتبرعات وأعمال البرّ، التي شكّلت شبكة أمان اجتماعي غير مكتوبة، تحمي الفقراء والمحتاجين وتضمن لهم حدًا أدنى من الكرامة الإنسانية، في وقت لم تكن فيه الدولة الحديثة قد تشكّلت بعد بمفهومها المعاصر.
ويمثّل الدين في مصر – الإسلامي والمسيحي – أحد أهم روافد التكافل الاجتماعي، إذ تحضّ النصوص الدينية في الجانبين على الرحمة، ومساعدة المحتاج، وإغاثة المحتاج ، وكفالة اليتيم، وإطعام الجائع. ولم يكن هذا البعد الديني سببًا في التفرقة، بل كان جسرًا للوحدة، حيث يشارك المسلمون إخوتهم المسيحيين أفراحهم وأحزانهم، كما يتضامن المسيحيون مع المسلمين في شهر رمضان والأعياد، في مشهد حضاري يؤكد أن المواطنة والإنسانية تسبقان أي انتماء آخر.
وفي المناسبات الوطنية الكبرى، تتجلّى هذه الروح بصورة أوضح، حيث تتكاتف فئات المجتمع المختلفة لدعم المتضررين من الكوارث، أو مساندة القوات المسلحة، أو الوقوف خلف الدولة في أوقات الأزمات، في تجسيد عملي لمعنى “الشعب الواحد” الذي يتجاوز الخلافات ويصطفّ خلف المصالح العليا للوطن.
وشهدت العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا في دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، التي أصبحت ركيزة أساسية في منظومة التكافل الاجتماعي. فقد توسّعت أنشطتها لتشمل دعم الأسر الأكثر احتياجًا، ورعاية الأيتام، وتقديم الخدمات الطبية المجانية، وتجهيز العرائس، ودعم التعليم، وإعادة إعمار المنازل المتهالكة، فضلًا عن إطلاق مشروعات تنموية تستهدف تحسين جودة الحياة في القرى والمناطق الأكثر فقرًا.
ولم تعد هذه الجهود مقتصرة على الأعمال الموسمية مثل موائد الرحمن أو شنط رمضان، بل امتدت إلى برامج مستدامة تهدف إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفئات المهمّشة، وتحويل الدعم من مجرد إعانات مؤقتة إلى فرص عمل ومشروعات إنتاجية تحفظ كرامة الإنسان وتعزّز قدرته على الاعتماد على ذاته، بما يحقق مفهوم التنمية الشاملة لا مجرد الإغاثة.
وإلى جانب العمل المؤسسي، يظلّ الفرد المصري عنصرًا فاعلًا في منظومة التكافل. ففي القرى والمدن والأحياء الشعبية، تنتشر مبادرات تلقائية يقوم بها مواطنون بسطاء، مثل مساعدة الجيران، وسداد ديون الغارمين، والتكفّل بعلاج المرضى، ودعم الطلاب غير القادرين، ومشاركة الأسر الفقيرة في مواسم الأعياد والدخول المدرسية، في صورة يومية للتضامن الإنساني الصادق.
وتبرز هذه الروح بوضوح في أوقات الأزمات الكبرى، مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية أو الجوائح الصحية، حيث يتحوّل المجتمع كله إلى شبكة تضامن متكاملة، تُعيد التأكيد على أن القيم الإنسانية لا تزال حيّة وقادرة على مواجهة أقسى التحديات، مهما تعاظمت الضغوط أو اشتدت الظروف.
ولا يقتصر أثر التكافل الاجتماعي على تخفيف المعاناة الفردية فحسب، بل يمتد ليشكّل أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي والأمن الاجتماعي. فالمجتمعات التي تسودها روح التعاون والتراحم تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، وأقل عرضة للتفكك أو التطرف أو العنف، لأن أفرادها يشعرون بأنهم جزء من كيان أكبر يحميهم ويحتضنهم ويمنحهم الأمان النفسي والاجتماعي.
وفي الحالة المصرية، ساهم هذا التكافل في الحفاظ على تماسك النسيج الوطني رغم ما شهدته البلاد من تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية خلال العقود الأخيرة، حيث ظلّ المجتمع قادرًا على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج ذاته بروح إيجابية متماسكة، تؤمن بأن التضامن هو السبيل الأقوى لمواجهة الأزمات وصناعة المستقبل.
ويبقى التكافل الاجتماعي في مصر أحد أنبل التعبيرات عن روح هذا الوطن وأصالة شعبه، وهو شاهد حي على أن المجتمع المصري، رغم اختلافاته الدينية والاجتماعية والثقافية، قادر على إنتاج نموذج إنساني فريد يقوم على المودة والرحمة والتضامن. إنه ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، وضمانة حقيقية لاستمرار التماسك والاستقرار في مواجهة التحديات.
وفي عالم يشهد تصاعد الفردية وتراجع الروابط الإنسانية، تظل التجربة المصرية في التكافل الاجتماعي رسالة حضارية تؤكد أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بالقيم التي تصون كرامته وتمنحه الأمان والانتماء.

