بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب: القاهرة وأنقرة… شراكة إقليمية برؤية المستقبل

المستشار محمد سليم
-

زيارات القادة بين الدول ليست مجرد لقاءات رسمية، بل تمثل مؤشرات حقيقية على مستوى التعاون والاهتمام المشترك ببناء شراكات استراتيجية، وفي هذا الإطار، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة لتعكس حرص القيادة المصرية والتركية على تعزيز أطر التعاون، وفتح أفق جديد من الشراكة القائمة على المصالح المشتركة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تضافر الجهود للحفاظ على الاستقرار ومواجهة التحديات الإقليمية المعقدة.
ويكتسب توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم خلال الزيارة أهمية خاصة، إذ يعكس وجود إرادة سياسية واضحة لدى الجانبين للانتقال بالعلاقات من مرحلة التفاهمات العامة إلى مرحلة أكثر استقرارًا وفاعلية، تقوم على التعاون المؤسسي والمصالح المشتركة، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية، بما يعود بالنفع المباشر على الشعبين المصري والتركي.
وتظل مصر لاعبًا محوريًا في الإقليم، وصاحبة ثقل سياسي واستراتيجي ثابت، حيث إن أي تقارب إقليمي يُبنى على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية يمثل مكسبًا للجميع، ويعزز فرص التعاون والتنمية، خاصة في ظل التحديات الراهنة من تصاعد التوترات والضغوط الاقتصادية العالمية.

وقد حملت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، سواء خلال منتدى الأعمال المصري – التركي أو في جلسات المباحثات الرسمية، رسائل واضحة تعكس تحولًا نوعيًا في مسار العلاقات بين البلدين، والانتقال بها من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، القائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة والتنسيق السياسي المستمر.
وعلى ضوء هذه التطورات، ركز الرئيس السيسي بصورة أساسية على البعد الاقتصادي باعتباره المدخل الحقيقي لتعميق التعاون بين الدولتين، مؤكدًا أن رفع حجم التبادل التجاري من نحو 9 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار أو أكثر يُعد هدفًا واقعيًا وطموحًا في آن واحد، في ضوء ما تمتلكه مصر من بنية تحتية حديثة، تضم شبكة طرق متطورة، وموانئ عالمية، ومراكز لوجستية قادرة على خدمة حركة التجارة الإقليمية والدولية.
ولفت الرئيس الانتباه إلى أن مصر توفر مناخًا استثماريًا جاذبًا، مدعومًا بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية، واتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المستثمرين الأتراك القدرة على النفاذ إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بما يحول السوق المصرية إلى منصة إقليمية للصناعة والتصدير.
وتعكس دعوة الرئيس لمجتمع الأعمال في البلدين للتوسع في الاستثمارات الصناعية المشتركة، خاصة في القطاعات ذات القيمة التكنولوجية العالية مثل صناعة السيارات ومكوناتها، والصناعات الكيماوية، والمعادن، والأجهزة المنزلية، والمنسوجات، رؤية الدولة المصرية الهادفة إلى توطين الصناعة وتعميق التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا والخبرات، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية، وزيادة الصادرات، وتقليل فاتورة الاستيراد، ودعم الاقتصاد الوطني.
وعلى الصعيد السياسي، كانت الرسائل الإقليمية حاضرة بقوة في كلمات الزعيمين، حيث شددا على ضرورة تنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية، وعلى رأسها تطورات الأوضاع في قطاع غزة، ودعم مسار التهدئة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والتمسك بحل الدولتين، فضلًا عن بحث الأوضاع في السودان وليبيا وسوريا والقرن الإفريقي، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويحد من اتساع بؤر التوتر، ويمنح المنطقة رؤية واضحة للتعاون الإقليمي البناء.
ويمثل توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الدفاع، والتجارة، والاستثمار، والأدوية، والحماية الاجتماعية، والشباب والرياضة، ترجمة عملية للإرادة السياسية لدى البلدين، ويؤسس لتعاون مؤسسي طويل الأمد يتجاوز البيانات المشتركة إلى مشروعات ملموسة على الأرض، يمكن قياس نتائجها اقتصاديًا وتنمويًا على المدى القريب والبعيد.
كما أن توقيت الزيارة يعكس إدراكًا مشتركًا لحجم المتغيرات الدولية والإقليمية، واحتياج المنطقة إلى أدوار متوازنة تدعم الاستقرار، وهو ما يبرز النهج المصري القائم على الانفتاح والحوار، وبناء الشراكات دون التفريط في الثوابت الوطنية، مع التأكيد على أن التفاهمات الثنائية يجب أن تتحول إلى خطوات عملية ملموسة.
وفي الجانب الاقتصادي، تمثل الزيارة فرصة حقيقية لتعزيز الاستثمارات المشتركة وزيادة حجم التبادل التجاري بين القاهرة وأنقرة، خاصة في مجالات الصناعة والطاقة والنقل البحري، حيث تعكس تصريحات الرئيسين توجهًا عمليًا لتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات تنموية ملموسة تخدم الاقتصادين معًا، وتخلق فرص عمل جديدة للشباب، وتزيد من القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وتُعد السوق المصرية بوابة استراتيجية للشركات التركية نحو القارة الأفريقية، في حين تمتلك تركيا خبرات صناعية يمكن أن تسهم في دعم خطط مصر لتوطين الصناعات وزيادة الصادرات، وهو ما يحقق مكاسب مباشرة للطرفين، ويخلق نموذجًا ناجحًا للتعاون الاقتصادي والتنموي بين الدولتين.
وفي الختام، تعكس هذه الزيارة التاريخية مكانة مصر الإقليمية المتصاعدة وقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية بعقل الدولة، وبناء شراكات استراتيجية تخدم مصالحها الوطنية، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون مع تركيا، بما يعزز مسارات التنمية والاستقرار، ويحقق مكاسب حقيقية ومستدامة للشعبين المصري والتركي، ويمنح المنطقة نموذجًا للتعاون القائم على الشراكة لا الصراع، ويؤكد أن المستقبل الإقليمي يقوم على التفاهم والمصالح المشتركة.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض