بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

معلومات الوزراء: اقتصاديات الصيانة عنصر حاسم فى بناء القدرة التنافسية

معلومات الوزراء
سعد ابو بكر -

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول "اقتصاديات الصيانة"، حيث أوضح التحليل أن مصطلح الصيانة لم يعُد نشاطًا تشغيليًا هامشيًا يقتصر على إصلاح الأعطال بعد وقوعها، بل تحول إلى مدخل تحليلي واستثماري متكامل لإدارة الأصول وتعظيم قيمتها عبر دورة حياتها الكاملة. وينطلق مفهوم اقتصاديات الصيانة من إعادة تعريف العلاقة بين التكلفة والقيمة؛ حيث لا تُقاس كفاءة القرار بحجم الإنفاق الآني، بل بقدرته على تقليل التكلفة الكلية للملكية، وضمان استمرارية التشغيل، وحماية رأس المال الإنتاجي من التآكل غير المخطط.

وفي ظل تصاعد خسائر التوقف عن التشغيل، وتزايد الاعتماد على الأصول المعقدة كثيفة رأس المال، برز قطاع الصيانة كإطار استراتيجي يربط بين الهندسة والاقتصاد والاستدامة، ويوفر أساسًا علميًا لاختيار أنسب استراتيجيات الصيانة وفق طبيعة الأصول والقطاع الاقتصادي وحجم المؤسسة.

ويعكس النمو المتسارع لسوق خدمات الصيانة عالميًا هذا التحول البنيوي؛ إذ تُقدَّر قيمتها في عام 2024 بنحو 104.6 مليارات دولار مع توقعات بتضاعفها لتصل إلى 213.5 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.4%، وهو ما يؤكد أن الصيانة لم تعُد بند تكلفة، بل رافعة أساسية لتعظيم الكفاءة الاقتصادية واستدامة القيمة الإنتاجية على المدى الطويل.

كما لا يقتصر اقتصاد الصيانة على الاستجابة العشوائية للأعطال عند حدوثها، بل يمثل إطارًا منهجيًّا متكاملًا لإدارة الأصول والمعدات بهدف تعزيز الكفاءة التشغيلية وتقليل التكاليف الإجمالية على مدار دورة حياة الأصل؛ حيث تعرف اقتصاديات الصيانة (Maintenance Economics) بأنها فرع من الهندسة الاقتصادية تختص بتحليل دورة حياة الأصول لتحديد الخيار الأكثر فاعلية من حيث التكلفة بين البدائل المختلفة المتعلقة بامتلاك وتشغيل وصيانة والتخلص من الأصل أو نظام معين. ويعتمد هذا المجال على أدوات تقييم متقدمة، أبرزها تحليل تكلفة دورة الحياة (Life Cycle Cost Analysis - LCCA)، الذي يسمح بتقدير النفقات على المدى الطويل بما يشمل الشراء، والتشغيل، والصيانة، والتخلص النهائي من الأصل، وهو ما يُمكِّن المؤسسات من اتخاذ قرارات استراتيجية مستنيرة تحقق أقل تكلفة كلية ممكنة مع الحفاظ على الأداء التشغيلي الأمثل.

أشار التحليل إلى قيام استراتيجيات الصيانة على ثلاثة أنواع أساسية هي:

- الصيانة التفاعلية: تُعرف الصيانة التفاعلية غالبًا باسم "الإصلاح عند العطل"؛ حيث يتم التعامل مع الأعطال فور حدوثها، ورغم أن الصيانة التفاعلية قد تبدو اقتصادية على المدى القصير نظرًا لانخفاض الاستثمار المسبق، فإنها غالبًا ما تؤدي إلى تكاليف أعلى على المدى الطويل بسبب التوقفات غير المخططة، والإصلاحات الطارئة، والخسائر المحتملة في الإنتاج. ويتضمن الأثر المالي للصيانة التفاعلية تكاليف مباشرة مثل نفقات الإصلاح، بالإضافة إلى تكاليف غير مباشرة مرتبطة بانخفاض الإنتاجية، والعمل الإضافي، وشحن قطع الغيار المستعجلة.

- الصيانة الوقائية: تركز الصيانة الوقائية على إجراء الفحوصات الدورية، والتشحيم، واستبدال المكونات وفق جداول زمنية محددة لتفادي حدوث أعطال في المعدات، ورغم أن هذه الاستراتيجية تتطلب استثمارًا مسبقًا في العمالة والمواد والموارد المستخدمة في عملية الصيانة، فإنها تهدف إلى تقليل احتمالية التوقف غير المخطط والتخفيف من مخاطر الإصلاحات المكلفة. ومن خلال معالجة التآكل والتلف في المعدات بشكل استباقي، تساعد الصيانة الوقائية المؤسسات على تجنب اضطرابات الإنتاج والحفاظ على مستويات إنتاج ثابتة؛ مما يعزز كفاءة العمليات وربحية المؤسسة.

- الصيانة التنبؤية: تأخذ الصيانة التنبؤية خطوة إلى الأمام من خلال استخدام تحليلات البيانات والنماذج التنبؤية لتوقع الأعطال قبل وقوعها، وذلك عن طريق مراقبة مؤشرات صحة المعدات مثل الاهتزاز، ودرجة الحرارة، ومستويات السوائل بشكل لحظي. ويمكن لأنظمة الصيانة التنبؤية اكتشاف علامات التحذير المبكرة لأي أعطال محتملة واتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة.

أوضح التحليل أن سوق الصيانة التنبؤية العالمية شهدت نموًّا ملحوظًا؛ حيث بلغ حجمها 13.65 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن تتوسع لتصل إلى 17.11 مليار دولار في 2026، وتصل إلى 97.37 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 24.3% خلال فترة التوقعات. وقد سيطرت أمريكا الشمالية على السوق بنسبة 33.3% في 2025؛ مما يعكس الاعتماد الكبير على الابتكار التكنولوجي والبنية التحتية الرقمية المتقدمة.

وعلى الرغم من أن تنفيذ استراتيجيات الصيانة التنبؤية يتطلب استثمارًا كبيرًا في تقنيات الاستشعار، ومنصات تحليلات البيانات، والخوارزميات التنبؤية المتقدمة، فإن هذه الاستثمارات تُترجم إلى عوائد ملموسة على المستوى التشغيلي والمالي. فهي تُسهم في تقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وتحسين جداول الصيانة، وزيادة العمر الافتراضي للمعدات؛ مما يعزز الكفاءة التشغيلية ويخفض التكاليف الإجمالية للملكية. وبذلك، تشكل الصيانة التنبؤية أداة استراتيجية أساسية للشركات الراغبة في تحقيق المرونة التشغيلية وتعظيم العائد على الاستثمار.

أشار التحليل إلى ارتفاع تكاليف التوقف عن العمل (الأعطال) في عام 2025، في المؤسسات الصناعية والتجارية إلى مستويات غير مسبوقة؛ لتصبح أحد التحديات المالية والاستراتيجية الكبرى؛ حيث لم يعُد التوقف عن التشغيل مجرد إزعاج تشغيلي، بل يمثل خسائر مالية مباشرة تؤثر على الإنتاجية، والإيرادات، وسمعة المؤسسة.

فعلى سبيل المثال، ساعة واحدة من التوقف قد تكبد الشركات خسائر ضخمة تختلف باختلاف حجم المؤسسة والقطاع؛ مما يعكس أهمية استراتيجيات الصيانة الوقائية، لاستمرارية الأعمال، واستمرارية الاستثمار في نظم التشغيل. كما تواجه معظم الشركات ضغطًا مستمرًا لتقليل فترة التوقفات، بينما يسعى متخصصو استمرارية الأعمال لضمان فعالية خطط التعافي من الكوارث،

ويعمل المهندسون وفنيو تكنولوجيا المعلومات على معالجة التعقيدات التقنية للحفاظ على التشغيل المستمر. ومن هذا المنطلق، يُعَد فهم الخسائر الاقتصادية للتوقف عن العمل تمهيدًا أساسيًّا لتقسيم التحليل حسب حجم الشركات: كبرى، ومتوسطة، وصغيرة، واستعراض التأثيرات القطاعية المختلفة، لضمان اتخاذ قرارات استراتيجية مدروسة تعزز المرونة والقدرة التنافسية للمؤسسات.

ذكر التحليل أن التكاليف يتم تقييمها على حسب حجم المؤسسات وذلك على النحو التالي:
1- الشركات الكبرى: تتحمل الشركات الكبرى، مثل شركات Global 2000 ذات الإيرادات المليارية، تكاليف هائلة للتوقف بسبب حجم العمليات وتعقيدها.
-في قطاع السيارات، تصل تكلفة ساعة واحدة من التوقف إلى 2.3 مليون دولار.
-الصناعات الثقيلة تواجه تكاليف سنوية تصل إلى 59 مليون دولار من التوقفات غير المخططة.
-بعض الشركات الكبرى العاملة في مجال الصحة والتمويل قد تواجه 540 ألف دولار في الساعة، بينما تسجل شركات أخرى حتى 1,4 مليون دولار في الساعة.
-قطاعات عالية المخاطر مثل المالية والرعاية الصحية قد تتجاوز التكاليف 5 ملايين دولار للساعة.

2- الشركات المتوسطة: تواجه الشركات المتوسطة، ذات الإيرادات بين 50 مليونًا و1 مليار دولار، تكاليف توقف كبيرة قد تعرقل النمو:
-أكثر من 90% من هذه الشركات تتحمل تكاليف أكثر من 300 ألف دولار للساعة، بينما تصل 41% منها إلى ما بين مليون و5 ملايين دولار في الساعة.
-الشركات الرقمية أو المعتمدة على التجارة الإلكترونية تواجه تأثيرات أعلى بسبب الاعتماد الكبير على الأنظمة الرقمية.
-التوجهات الحديثة تشير إلى زيادة كبيرة في التكاليف لكل دقيقة توقف، مع زيادات تصل إلى 60% في بعض الشركات.

3- الشركات الصغيرة: تمثل الشركات الصغيرة التي تقل إيراداتها عن 50 مليون دولار.

-تشير التقديرات إلى خسائر في الأجور تبلغ 0.67 دولار لكل دقيقة لكل موظف، ما يعادل أكثر من 250 ألف دولار سنويًّا لشركة بها 100 موظف.
-بعض الشركات الصغيرة قد تتعرض لخسائر تصل إلى 150 ألف دولار للساعة، مع تأثيرات إضافية على الإيرادات والسمعة.
-الشركات الصغيرة العاملة في التجارة الإلكترونية تواجه خسائر عليا بسبب فقدان العملاء.

أوضح التحليل أنه في وقت يسعى فيه العالم إلى فك الارتباط بين النمو الاقتصادي واستنزاف الموارد، برزت الصيانة كأحد أهم محركات الاستدامة المالية؛ إذ أصبح نجاح التحول الصناعي الدائري مرهونًا بمبدأ جوهري يتمثل في "تحديد الأولويات الأكثر أهمية".

وتُعَد الصيانة اليوم مقترح قيمة وليس مجرد تكلفة؛ حيث أظهرت التحليلات تحولًا جذريًّا في مفهوم مقترحات القيمة الدائرية، فقد توقفت المؤسسات عن النظر للصيانة كعبء مالي، واعتبرتها أداة استراتيجية ضمن نماذج "المنتج كخدمة"؛ إذ تبقى ملكية الأصل للشركة المصنعة؛ مما يجعل الصيانة الذكية والتنبؤية منفعة اقتصادية مباشرة. فكلما طال عمر المنتج وقلت حاجته إلى الإحلال، زاد العائد على الأصول.

كما تؤدي إطالة عمر المنتج دورًا أساسيًّا؛ إذ تمثل المسار الأكثر كفاءة اقتصاديًّا مقارنة بإعادة التدوير، ويبرز دور "اقتصاديات الصيانة" في الحفاظ على القيمة المدمجة داخل المعدات والآلات بدلًا من تفكيك الأصول لإعادة تدوير موادها؛ حيث تضمن برامج الصيانة المتقدمة بقاء الأصل في ذروة أدائه لأطول فترة ممكنة؛ مما يحمي الشركات من تقلبات أسعار المواد الخام وندرة الموارد.

استعرض التحليل أبرز الأرقام والإحصاءات التي تعكس أهمية الصيانة الدائرية:

1- الأهمية الاستراتيجية للصيانة:
-أكد 95% من كبار المديرين التنفيذيين في عشرة قطاعات صناعية أن النماذج القائمة على الصيانة وإطالة العمر التشغيلي للأصول ستتصدر أولويات شركاتهم بحلول عام 2028.
-وصفها 71% بأنها "شديدة الأهمية"؛ مما يعكس تحولها من مبادرات بيئية إلى ضرورة للبقاء التجاري.

2- العائد المالي والنمو:

-80% من الشركات تتوقع أن يتجاوز نمو إيرادات الأنشطة الدائرية متوسط نمو الشركة العام خلال الثلاث سنوات القادمة.
-كما يتوقع 70%من التنفيذيين تحقيق هوامش ربح أعلى من الأنشطة الدائرية مقارنة بالأنشطة التقليدية.
-يتصدر قطاع السيارات معدلات النمو بنسبة 86%، مدفوعًا بالاعتماد المكثف على أنشطة إعادة التصنيع والصيانة الشاملة.

3- خفض التكاليف وكفاءة الأصول:
-أعلنت شركة Vestas عن خفض إنتاج التوربينات الجديدة لتقليل تكلفة الوحدة بنسبة 30-60% والحد من الفاقد، مع التركيز على تحسين كفاءة الأصول.
-شركات مثل Schneider Electric رفعت تغطية منتجاتها الدائرية من 6% إلى 38%، واستعادت مئات الأطنان من المعدات عبر مراكز الصيانة والتجديد.

وأوضح التحليل في ختامه أن اقتصاديات الصيانة لم تعُد خيارًا تشغيليًا ثانويًا، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في بناء القدرة التنافسية للمؤسسات وتعزيز مرونتها المالية؛ فاختيار الاستراتيجية الملائمة، سواء كانت تفاعلية أو وقائية أو تنبؤية، يمثل قرارًا اقتصاديًا يؤثر مباشرة في الإنتاجية، وتكاليف التوقف، والعائد على الأصول. كما يبرهن التحليل أن الصيانة تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الدائري عبر إطالة عمر المنتجات والحفاظ على القيمة المدمجة فيها. وعليه، فإن دمج اقتصاد الصيانة في التخطيط الاستثماري وإدارة المخاطر لم يعُد ترفًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستدامة وتعظيم القيمة على المدى الطويل في بيئات صناعية متغيرة تتسم بعدم اليقين وارتفاع شدة المنافسة العالمية المتسارعة.