بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : لماذا نظل نبحث عن أنفسنا وسط زحام الحياة

المستشار محمد سليم
-

في خضم الحياة اليومية وبين صخب العمل وضغوط المسؤوليات وتسارع العمر يجد الإنسان نفسه واقفًا دون موعد أمام سؤال لا يهرم ولا يفقد ثقله لماذا نعيش وما جدوى كل هذا السعي سؤال لا يُقال جهارًا لكنه يسكن القلب ويطفو حين يهدأ الضجيج ويغلق الإنسان الأبواب على نفسه فيكتشف أن الأيام تمضي وأن الروتين يستهلك الروح وأن الامتلاء الخارجي قد يخفي فراغًا داخليًا لا تملؤه الأشياء.
قد يمتلك الإنسان المال والجاه والمكانة ومع ذلك يشعر بثقل غامض في صدره، وقد يعيش آخر بالقليل لكنه مطمئن ساكن النفس وهنا ندرك أن القضية ليست في كثرة ما نملك ولا في قلته بل في المعنى،فالحياة بلا معنى عبء والحياة ذات المعنى رسالة والمعنى لا يُشترى ولا يُمنح بل يُكتشف حين يصدق الإنسان مع نفسه.
كان الدكتور مصطفى محمود يرى أن أزمة الإنسان الحديثة ليست في الفقر ولا في الجهل بل في فقدان المعنى لأن الإنسان حين حصر نفسه في المادة وحدها ظن أن العقل قادر على حمل الكون كله فازدادت الأسئلة وقل الاطمئنان فالعقل أداة عظيمة لكنه محدود وحين يصل إلى حدوده يبدأ القلق فالإيمان لا يأتي ليصادر التفكير بل ليهديه ويمنحه السكينة فالعقل يسأل ليعرف والإيمان يجيب ليطمئن.
أما الشيخ محمد متولي الشعراوي فكان يعيد الإنسان دائمًا إلى أصل القضية معرفة الغاية ، فالإنسان لم يُخلق عبثًا ولم يُترك هملاً وإنما خُلق لغاية فإذا عرفها استراح قلبه وإذا جهلها عاش في صراع دائم مع نفسه ومع الدنيا فالعبد حين يدرك أنه مستخلف في الأرض يعلم أن لكل حدث حكمة وأن لكل تأخير معنى وأن كل ابتلاء رسالة إعداد لا كسر وأن الله لا يضيع من أحسن الظن به.
إن البحث عن معنى الحياة ليس ترفًا فكريًا ولا فلسفة للنخبة بل هو حاجة نفسية وروحية لأن الإنسان بلا معنى كمسافر بلا خريطة يسير كثيرًا لكنه لا يصل وحين يغيب المعنى تتحول النجاحات إلى أرقام باردة وتتحول العلاقات إلى مصالح مؤقتة ويصبح الخوف من الفقد أكبر من متعة الامتلاك
وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة ما قاله الحكماء قديمًا أن الإنسان الذي يشعر بأن لحياته هدفًا أعمق يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات لأن المعنى يعطي الألم تفسيرًا ويجعل الصبر مفهومًا فالألم بلا معنى قسوة أما الألم ذو الغاية فتهذيب وبناء وتجهيز لما هو قادم.
ويبقى السؤال كيف يجد الإنسان هذا المعنى وسط عالم لا يهدأ البداية من الداخل من القيم الحقيقية لا الشعارات فالقيم لا تُعرف بالكلام بل بالاختيار حين يكون الثمن غاليًا فالإنسان لا يُمتحن في أوقات السعة بل في لحظات الشدة وحين يحدد ما الذي يستحق أن يعيش من أجله وما الذي لا يستحق أن يفرط في كرامته لأجله يبدأ طريق المعنى
ثم تأتي الأهداف لا باعتبارها سباقًا مع الآخرين بل باعتبارها صلحًا مع النفس فليس المطلوب أن تكون أعلى من غيرك بل أن تكون أقرب لما خُلقت له وهنا يتحول العمل إلى عبادة والسعي إلى رسالة والتعب إلى شرف لا إلى شكوى لأن من يعمل وهو يعلم لماذا يعمل لا ينهار سريعًا.
ويأتي الامتنان كركن أساسي في بناء المعنى فالامتنان لا يعني الرضا بالقصور ولا إلغاء الطموح بل يعني وعي النعمة قبل فقدها وكان الشعراوي يقول إن النعمة إن شُكرت قرت وإن كُفرت فرت لأن الشكر يحفظ القلب قبل أن يحفظ الرزق
ولا يكتمل المعنى إلا بالآخرين فالإنسان لا يكتشف إنسانيته في العزلة المطلقة بل في العطاء والمساندة والكلمة الطيبة فحين يشعر الإنسان أنه سبب في تخفيف وجع غيره يخف وجعه هو دون أن ينتبه لأن الرحمة طريق يعود أثره على صاحبه قبل أن يصل إلى غيره.
أما الروحانية فهي الجسر الهادئ بين صخب الأرض وسكينة السماء ليست طقوسًا جامدة بل حضور قلب وفهم لحقيقة أن الدنيا مرحلة لا محطة أخيرة وحين يوقن الإنسان أن ما عند الله أبقى يزول خوفه من الفقد ويخف قلقه من الغد لأنه يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه.
وفي النهاية المعنى ليس محطة نصل إليها فنستريح بل طريق نسير فيه ونتعلم ونتغير وحين يجد الإنسان معنى لحياته لا تعود الأيام متشابهة ولا الأزمات بلا حكمة ولا الألم بلا أجر لأن الحياة لا تُقاس بطولها بل بعمقها ومن عرف الغاية اطمأن حتى وهو يمشي وسط الزحام.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض