بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : ماحسبتة سقوطاً كان رحمة

المستشار محمد سليم
-

منذ الصغر وأنا أؤمن بأن الله مع عباده المخلصين ،وأن من صدق في سعيه لم يخذله القدر مهما تعثرت الخطوات ومهما تأخر الوصول، ومنذ الصغر أيضا لم أعرف انتظار الفرص بل عرفت العمل،والكد والوقوف على أرض الواقع لا في الخيال، كنت أتعلم من السوق قبل الكتب ومن الناس قبل الشعارات، وكان الإيمان هو الخيط الخفي الذي يربط كل مرحلة بما بعدها.
مشواري في الحياة لم يكن سهلاً ولا ممهدا، كان طريقا مليئا بالمنحنيات والصعاب، عمل واجتهاد ومحاولات لا تتوقف، وكلما ظننت أنني أمسكت بطرف النهاية ،اكتشفت أن الطريق أطول مما تصورت، لكن اليقين لم يهتز، لأنني كنت أعلم أن الله يرى، وأن الحساب الحقيقي ليس بما نكسبه بل بما نثبت عليه.
الدكتور مصطفى محمود كان يقول إن الإنسان لا يرى من الصورة إلا زاوية صغيرة، فيحكم على اللوحة كلها من هذا الجزء الضيق، ولو اكتملت الرؤية لعرف أن ما حسبه خطأ هو الذي أعطى المعنى، وهكذا كانت عثرات حياتي، لم تكن كسرا بقدر ما كانت كشفا، لم تكن نهاية بقدر ما كانت بداية أخرى لا أراها.
كل سقطة ظننتها هزيمة كانت في الحقيقة تدريبًا على الصلابة، وكل باب أُغلق في وجهي كان يحميني من طريق لم يكن خيرا لي، وكم مرة حزنت على شيء لم يحدث ثم شكرت الله بعد سنوات لأنه لم يحدث، وكم مرة ظننت أن التأخير عقوبة فإذا به عناية إلهية.
في العمل تعلمت أن السوق لا يعرف العواطف، وأن الربح ليس دائما مالا، أحيانا يكون الربح خبرة، وأحيانا يكون الربح نجاة، وأحيانا يكون الربح أن تخرج بأقل الخسائر من معركة لو استمررت فيها لفقدت أكثر، وهنا تفهم أن الله لا يمنع إلا ليحمي ولا يؤخر إلا ليهيئ.
ثم جاءت المسؤوليات الأكبر، مسؤولية القرار، ومسؤولية الكلمة، ومسؤولية أن تكون واقفا لا متفرجا، وفي كل موقع اكتشفت أن الامتحان واحد وإن اختلفت الوجوه، هل تختار السهل أم الصحيح، هل تساوم أم تثبت، هل ترضي الناس أم ترضي ضميرك.
الشيخ متولي الشعراوي ، كان يختصر الطريق كله في جملة واحدة، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، وحين تؤمن بهذه الحقيقة لا تعود تصارع القدر بل تسير معه، تعمل وتترك لله ما لا تراه، وتجتهد وتطمئن لأن التدبير ليس بيدك وحدك
كم مرة كرهت شيئا ووجدته بعد حين هو الخير بعينه، وكم مرة فرحت بشيء ثم اكتشفت أن صرفه عنك كان رحمة لا حرمانا، وهنا فقط تدرك معنى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ليست آية تُتلى فقط بل تجربة تُعاش
الإيمان الحقيقي لا يظهر في الرخاء، يظهر حين تختفي الأسباب، حين تعمل ولا ترى ثمرة، وحين تجتهد ولا يأتي العائد، وحين تقف وحيدا وتسأل لماذا؟ ، في تلك اللحظة إما أن تثق أو تنهار، واخترت أن أثق، لا لأنني لا أتألم، بل لأنني تعلمت أن الألم رسالة لا لعنة.
كل مرحلة في حياتي كانت تقول لي نفس المعنى بصوت مختلف، اعمل ولا تتعلق بالنتائج، اسع ولا تفاوض على المبادئ، لا تحزن إن سقطت، فالذي أمسكك مرة قادر أن يرفعك مرة أخرى، والذي أغلق بابا يعلم أي باب يجب أن يُفتح
وحين أنظر اليوم إلى الوراء لا أرى خسائر منفصلة، بل أرى تدبيرا واحدا متصلا، وأفهم أن اختيارات الرب كانت دائما أدق من اختياراتي، وأرحم من عجلة نفسي، وأوسع من ضيق رؤيتي، فأطمئن، وأكمل الطريق، وأعلم أن من كان الله معه لم يكن ساقطا أبدا حتى وهو يتعثر.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض