بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. محمود فوزي يكتب: الأرواح الحيوانية والانقياد الأعمى

د. محمود فوزي
-

طور العالمان إدوارد ديسي، وريتشارد ريان؛ نظرية الدافع، والتي تقوم على فرضية ميل الأفراد نحو "الانقياد" بسبب حاجاتهم الغريزية للنمو، وتحقيق المنفعة؛ انطلاقًا من دوافع فطرية نفسية؛ تقود عمليات التحفيز الذاتي، والنمو النفسي.
وينسب لذات العالمين قيامهما بطرح أفكار نظرية تقرير المصير الوظيفي عام 1995م، من خلال كتابهما بعنوان: "تقرير المصير والدافع الجوهري في السلوك البشري"، وبالنظر إلى تحديد المصير المهني من خلال عدسة التحليل النفسي، نجد أنه يتعمق في الدوافع اللاواعية، والخبرات المبكرة في الطفولة، والصراعات الداخلية التي تؤثر على خيارات الفرد المهنية، ورضاه الوظيفي.
ويمكن تفسير الاعتبارات العقلانية من منظور المسار الوظيفي والسمعة، والتوجه المهني؛ حيث يميل ذوو القدرات المنخفضة إلى اتباع قرارات كبار المستثمرين عن قصد، وتجاهل معلوماتهم الخاصة؛ لاعتقادهم أن القرار الذي اتخذه الخبراء؛ يستند إلى معلومات أفضل، فمن المنطقي أن يقوم من هم أقل كفاءة/ سمعة بتقليد تصرفات أغلب مديري الاستثمار الآخرين ذوي الكفاءة والسمعة الأعلى لتحسين صورتهم، عندما يدركون أن خطر الفشل المحتمل أكبر من خطر النجاح إذا تصرفوا بمفردهم.
ومن ثم لا يتصرف الأفراد بناءً على ما يقرؤونه ويسمعونه فحسب، بل في الغالب؛ بناءً على ردود أفعالهم العاطفية وتحيزاتهم الإدراكية والوجدانية تجاه البيانات والأخبار، وتمثل هذه التفاعلات فكرة جون ماينارد كينز عن "الأرواح الحيوانية Animal Spirits"، التي تحرك الجماهير وتُعد القوة الدافعة للنشاط الاقتصادي والاستثمار.
وتؤدي هذه التحيزات النفسية إلى دفع المستهلك/ المستثمر نحو اتخاذ قرارات أو تبني مواقف وأفكار قد لا تكون صحيحة أو موضوعية؛ لكنها تشبع احتياجات نفسية وعاطفية فورية؛ وهو الأمر الذي يفسر حدوث عمليات الشراء العفوي غير المخطط، أو تبني مظاهر الولاء العاطفي الوجداني تجاه ماركات أو كيانات اجتماعية وسياسية معينة، وغيرها من القرارات العشوائية غير المدروسة التي تتأثر بالحالة المزاجية، أو التوقعات الاجتماعية المدركة.
وغالبًا ما يُنظر إلى سيكولوجية الجماهير، واللاعقلانية، وعقلية القطيع، والغريزة الحيوانية التي شاع استخدامها على يد كينز من قِبل الأكاديميين والمستثمرين على أنها تلعب دورًا بارزًا في تحديد أسعار السوق؛ حيث يحدث سلوك القطيع بشكل أكبر في الأسواق الناشئة؛ لعدم اكتمال الأطر التنظيمية، لا سيما فيما يتعلق بشفافية المعلومات، وتدني مستوى الإفصاح عن البيانات.
فليس كل البشر فاعلين عقلانيين في السوق، أو بأي بيئة تنظيمية أخرى، وغالبًا ما يُعتبر التقليد جزءًا من الطبيعة البشرية، وينشأ هذا السلوك من خلال التواصل التفاعلي بين الأفراد، سواءً صراحةً، أو ضمنيًا عبر الملاحظة، لكنه يؤدي إلى توقف عملية التعلم الاجتماعي، تلك العملية القائمة على التحليل والتقييم الموضوعي لجودة المعلومات، واتخاذ القرارات والمواقف؛ وفقًا لهذه العمليات الاستدلالية والاستنباطية الموضوعية.