بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : حين فقدنا لغتنا الجميلة

المستشار محمد سليم
-

لم نكن هكذا، لم نكن بهذه الخشونة، ولا بهذا الجفاف، ولا بهذا القبح الذي يوجع الأذن قبل القلب، كان بيننا شيء اسمه الحياء، وشيء آخر اسمه الذوق، وكانت للكلمة حرمة، وللاختلاف حدود، وللإنسان قدر لا يُداس.

اليوم وأنت تتصفح ما يُقال ويُكتب تشعر وكأنك تسير في شارع مظلم امتلأ بالسباب، وتكسّرت فيه المعاني، وغاب عنه الأدب، حتى صار الصراخ لغة، والبذاءة رأيًا، والوقاحة شجاعة زائفة، فتحزن لا لأنك اختلفت مع أحد، بل لأنك لم تعد تعرف هذا المجتمع الذي تنتمي إليه
شيء ما انكسر في روحنا الجماعية، انكسر بهدوء ودون صوت، حتى استيقظنا على واقع يتطاول فيه الجهل، ويعلو فيه الضجيج، وتُغتال فيه الكلمة الجميلة على مرأى ومسمع من الجميع، فلم نعد نتحاور بل نتصادم، ولم نعد نختلف بل نتوحش، وهنا لا يصبح السؤال ترفًا بل وجعًا حقيقيًا، ماذا حدث لنا؟.
ولأن الوجع لا يُفهم دون ذاكرة، لا بد أن نلتفت إلى الوراء، إلى زمن لم يكن فيه الكلام رخيصًا، ولا اللسان سلاحًا، زمن كانت فيه الكلمة تُقال على مهل، وتُوزن قبل أن تخرج، وتُطرّز بالذوق كما تُطرّز الثياب، كان هذا المجتمع يعرف كيف يُجمّل قسوته، ويخفف أوجاعه بالعبارة الحلوة، ويُخفي حزنه خلف مجاز رقيق، حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية كانت مشبعة بالفن، وكأن المصري بطبعه شاعر دون أن يكتب شعرًا.
انظر إلى الشارع آنذاك، إلى الباعة الجائلين، هؤلاء الذين لم يدخلوا مدارس البلاغة، لكن البلاغة كانت تمشي على ألسنتهم، لم يكن أحدهم يصرخ ليبيع، بل كان يُغنّي، فالطماطم خد الجميل، والباذنجان عروسة، والبطاطا كوز العسل، والفِجل الوِروّر، والحِلْبة أكلها شِفا، والعرقسوس شفاء للبدن والروح معًا، كان النداء موسيقى، والبيع حكاية، والشارع مسرحًا مفتوحًا للفن الشعبي
وكان لكل بائع نغمة، ولكل نغمة ذاكرة، بائع العيش، وبائع اللبن، وبائع التين الشوكي، وبائع العرقسوس في الصيف، والحمص الشامي في الشتاء، أصوات لا تزعج بل تُطمئن، تدخل البيوت قبل أن تدخل الآذان، وكأنها جزء من نبض اليوم نفسه، لم يكن الشارع ساحة صراخ بل مساحة ألفة، والناس تعرف بعضها، والكلمة تُقال بابتسامة، حتى الفصال كان فيه ذوق، والرفض له صيغة محترمة، والاختلاف لا يفسد للود قضية
ذلك الزمن لم يكن مثاليًا، لكنه كان إنسانيًا، كان فقيرًا في الإمكانيات، ثريًا في الذوق، محدود الدخل، واسع الروح، وكان البائع البسيط أكثر رقيًا في لغته من كثيرين يحملون اليوم ألقابًا وشهادات، لكنهم أفلسوا أخلاقيًا
ثم تبدّل المشهد، اختفى الغناء وحلّ الصراخ، غابت الكلمة الموزونة وحضرت الألفاظ الجارحة، صار الصوت أعلى من المعنى، والشتيمة أسرع من الفكرة، والوقاحة طريقًا مختصرًا للفت الانتباه، لم نعد نختلف بل نُهين، ولم نعد ننتقد بل نطعن، وكأن فقدان جمال اللغة كان مقدمة طبيعية لفقدان احترام الإنسان
من الشارع إلى الشاشة، ومن المقاهي إلى منصات التواصل، نفس الخشونة، نفس العدوانية، نفس الاستعداد الدائم لإلغاء الآخر بدل محاورته، مجتمع كان يُنتج الجمال عفويًا، صار يستهلك القبح بسهولة، ومن كان يُغنّي ليبيع، صار يسبّ ليُسمَع

من هنا، لا يكون الحنين ترفًا، بل ضرورة، نريد عودة الزمن الجميل، لا في الصور فقط، بل في القيم، نريد عودة احترام المعلّم وهيبته، لا خوفًا بل تقديرًا، نريد مدرسة تُربّي قبل أن تُعلّم، وكتاتيب تُخرّج ضمائر قبل أن تُخرّج حافظين، نريد قرآنًا يُحفظ من الصغر، فيستقيم به اللسان قبل أن ينفلت، والعقل قبل أن يضل.
نريد لأذننا أن تسمع ما يُهذّبها لا ما يُشوّهها، أن تعود أم كلثوم فتعلّمنا الصبر على الطرب، وعبد الحليم ليؤكد أن الحزن يمكن أن يكون نبيلًا، ومحمد عبد الوهاب ليذكّرنا بأن الموسيقى عقل قبل أن تكون نغمة، وفريد الأطرش ليأخذنا إلى شجن لا يجرح الروح، وأن يصدح صوت النقشبندي فيعيد للقلوب خشوعها، وأن يجلس الشيخ محمد متولي الشعراوي في بيوتنا بعلمه وبصيرته، وأن يملأ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد آذاننا بجلال القرآن وهيبته
نريد زمنًا لا يعلو فيه الصوت على المعنى، ولا الوقاحة على الأدب، ولا الجهل على الحكمة، نريد أن نختلف دون أن نكره، وأن نتحاور دون أن نتوحش، وأن نعود بشرًا قبل أن نكون مستخدمين لشاشات، فالأمم لا تسقط حين تفقر، بل حين تفقد ذوقها، ولا تنهار حين تخطئ، بل حين تبرر القبح وتتبناه
ربما لا يعود الزمن كما كان، لكن يمكن أن نعيد نحن ما تبقّى منه، كلمة محترمة، ونغمة نظيفة، وخلقًا لا يخجل من نفسه، لعلنا بذلك ننقذ ما تبقّى من هذا اللسان الجميل قبل أن نصمت جميعًا.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض