بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

جودة بركات: إدراج التربية الإعلامية بالتعليم الأساسى ضرورة حتمية لتعزيز العقل النقدى

معرض الكتاب
احمد صالح -

في إطار دورها الثقافي والتوعوي، وحرصها على التواصل والتكامل مع مختلف المؤسسات الثقافية والإعلامية، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتابندوة بعنوان «صيانة الوعي بين الثقافة والإعلام والنشر»، ضمن فعاليات برنامجها الثقافي الهادف إلى تعزيز الوعي المجتمعي، وبناء إدراك رشيد قادر على التعامل مع تحديات الواقع المعاصر.

وشارك في الندوة الشيخ عمر سالم باجخيف عضو الاتحاد العام للناشرين العرب، مدير ومؤسس دار المنهاج، والدكتور مصطفى عبد الكريم مدير البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء المصرية، وأدار الحوار الأستاذ الدكتور جودة بركات أستاذ اللغة الألمانية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر، وقد لاقت الندوة حضور عدد من المفكرين والإعلاميين وجمهور معرض الكتاب، من بينهم الدكتور سعد المطعني كبير المذيعين في إذاعة القرآن الكريم، وقد تناولت الندوة الدور المحوري لكلٍّ من الثقافة والإعلام في صيانة الوعي الجمعي، وأهمية التكامل بينهما في ترسيخ قيم الانتماء، وبناء وعي نقدي رشيد يواكب التحولات المتسارعة.

في مستهل كلمته، توجه الشيخ عمر سالم بالشكر لدار الإفتاء المصرية لما تقوم به من نهضة علمية ممتدة من المشارق للمغارب، مؤكدًا أن للوعي دوائر خاصة ودوائر عامة، تبدأ بالإنسان الذي يجب أن يكون راعيًا فيما يسمع ويرى ويتكلم، والمؤمن الذي يجب أن يكون فطِنًا لما حوله من فتنة، مستشهدًا بحديث رسول الله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، مضيفًا أن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بالقرآن العظيم مائدة الله في الأرض، مشددًا على ضرورة أن يكون الوعي مرتبطًا بالأصل العظيم؛ وهو القرآن الكريم، وسُنَّة النبي ، وسِيَر الصحابة والسلف الصالح عند الفرد والجماعة، إذ إن تشكيل فكر المسلم ووعيه يجب أن يقوم على الكتاب والسنة؛ لأن الفكر والوجدان مرتبط بالهوية، والهوية يجب أن ترتبط بكتب الشريعة والكتب المباركة مثل كتاب "رياض الصالحين". موضحًا تأثير الإعلام على صيانة الوعي، وكونه مهيمنًا ومؤثرًا في كل أمور الحياة وعلى كل الفئات العمرية، وأشاد بإصدار أستراليا قانونًا يمنع الطفل دون 16 عامًا من استخدام مواقع التواصل، لافتًا الانتباه إلى ضرورة عودة الطفل لطبيعته يقرأ ويستمع؛ لأننا الآن أصبحنا أمام أطفال ساكنين يعيشون في عالم خيالي، بفضل الذكاء الاصطناعي الذي بات غولًا يتوغل ويتوحش يوميًّا.

وأشار إلى أن الأمور الإعلامية وما ينبثق عنها يوميًّا تحتاج إلى العديد من الندوات والمؤتمرات لمناقشة هذا الفضاء الواسع، قائلًا: الكل متأثر بهذا الإعلام من رجل يعيش بأمريكا إلى امرأ تعيش في قرية بعيدة، فالنقاش الآن يجب أن يكون كيف نقلل من حدة تأثير تلك التقنيات لما نتج عنه من تقصير في الأوراد اليومية والأذكار التي كنا نلتزم بها جميعًا، وللأسف نجد الآن رجالًا ونساءً لا يستطيعون قراءة القرآن! وكل هذا يرجع إلى عدم الوعي بترتيب الأولويات في الحياة، والتي يجب أن يكون على رأسها حسن قراءة القرآن.

وأكد أن الكتاب التراثي وما يخدمه من كتب لغة وتفسير ستبقى حائط الصد لمواجهة عصر الذكاء الاصطناعي، وأن الكتاب المطبوع هو الوسيلة الآمنة التي يمكن الرجوع لها في ظل هذا الكم الهائل من المعلومات المزيفة، لأن الكتب الإلكترونية باتت غير موثوقة في ظل إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في حذف أي معلومة بداخلها، لكن الكتاب المطبوع لا يمكن تزييفه أو حذف المعلومات منه.

وفي سياق متصل، أكد الدكتور مصطفى عبد الكريم، مدير البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء المصرية، أن قضية الوعي تُعد من القضايا المهمة، موضحًا أن الوعي مرتبة تفوق العلم وتفوق المعلومة، فليس كل من يمتلك المعلومة يمتلك الوعي، وضرب مثالًا لذلك قائلًا: كلنا نعلم أن النار تحرق، لكن الوعي يأتي في مرحلة ندرك فيها كيف نستفيد من النار ونتجنب مضارها، وهنا يتحقق الوعي لدى الإنسان.

وأضاف عبد الكريم أنه عند التأمل في فكرة الوعي داخل دار الإفتاء، يظهر التحدي في كيفية تنزيل ما ورد في النصوص على الواقع للوصول إلى مرحلة الوعي، مشيرًا إلى أن الجميع يستطيع الوصول إلى النص، لكن ليس الجميع قادرًا على تطبيقه على الواقع، وأن تنزيل النصوص على الواقع ليس أمرًا بسيطًا، بل هو أمر مركب، يتكون من عدة عوالم، منها عالم الأشخاص وعالم الأحوال، وهو ما يترتب عليه اختلاف الفتاوى مراعاةً للسياق والمقام.

وتابع قائلًا: إن فكرة كثرة المعلومات لم تعد ميزة على الإطلاق، بل قد تتحول إلى عيب عندما يضعف العقل النقدي القادر على التمييز بين الحسن والقبيح، وبين ما وراء المعلومات من نفع أو ضرر، مؤكدًا أن كثيرًا من المعلومات قد تكون غير نافعة. وذكر أن القرآن الكريم أشار إلى هذه الحالة بقوله تعالى: "وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)"، لافتًا الانتباه إلى أن غياب الوعي يجعل الإنسان غير مدرك أن الحياة بكل مظاهرها هي متاع، وأن دار الآخرة هي الباقية. وأضاف أن المعلومات الكثيرة إذا لم يكن لها عقل ناظم قادر على غربلة المعلومة وتنزيلها في موضعها الصحيح، فإنها قد تتحول إلى مصدر ضرر على الإنسان بدلًا من نفعه.

كما أشار في حديثه عن الوعي والإعلام، إلى أننا نعيش حاليًّا في حالة من السيولة المعلوماتية، موضحًا أنه في الماضي كانت المنافذ الإعلامية لا تتجاوز القناة الأولى والثانية، أما اليوم فكل إنسان يحمل في يده هاتفًا يضم آلاف القنوات والمنصات. وعليه، فإن الإنسان إذا لم يستطع التمييز بعقله فسيكون في ورطة شديدة، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع". وشدد على ضرورة امتلاك عقل رشيد قادر على التمييز بين المعلومات، ومعرفة ماذا يقول، ولمن يقول، وكيف يقول، معتبرًا أن هذه الثلاثية تمثل جوهر الرسالة الإعلامية، وأن غياب الوعي بها قد يوقع صاحبها في الضرر. واستشهد بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» لما يحمل من دلالة عميقة على الوعي في التعامل مع الأخبار، خاصة في ظل اتساع الفضاء الرقمي والثورة المعلوماتية التي نعيشها اليوم.

واختتم الدكتور مصطفى حديثه بأن هذه المحاور تمثل مدخلًا مهمًّا لبناء تربية واعية على نمط الهدي النبوي في تربية النشء، بما يسهم في تشكيل وعي سليم ومتوازن لدى الأجيال الجديدة.

من جانبه لفت الدكتور جودة بركات، مدير الندوة، النظر إلى أن الوعي ليس مسألة عابرة وإنما هو مشروع أجيال، وعمل جماعي مشترك وليس مسألة فردية يعمل عليها الفرد بذاته، مشددًا على ضرورة أن تكون هناك مساهمة دينية فاعلة في هذا الإطار ، لأن القراءة وحدها لم تعد منتجة للوعي ولا حافظة له، ويجب أن تكون هناك خطط عملية لتوجيه الأطفال وجيل النشء بما يتلاءم مع عقولهم والعالم المتسارع الذي يعيشون فيه، مشيرًا إلى إحصائية مفادها أن المحتوى الإعلامي الذي يحمل مغزى ورسالة لا يزيد عن 10%، وأن هناك دولة واحدة على وجه الكوكب تدرس مادة التربية الإعلامية وهي فنلندا، وتقول الدراسات إن المعلومة الخاطئة أقل انتشارًا في فنلندا مقارنة بباقي البلدان، في إشارة إلى أهمية تعميم تلك المادة والتجربة في مختلف دول العالم؛ لأنها تجعل الفرد قادرًا على التمييز بين الحق والمزيف.

وقد أوضح الدكتور سعد المطعني، في مداخلته أن الثقافة والإعلام والنشر أحد روافد مكونات الوعي، فبالنسبة للثقافة تشابكت اليوم الثقافات والمعارف نتيجة السماوات المفتوحة، وأصبحنا اليوم لا نستطيع أن نحجز أي رسالة تأتينا على هذا الهاتف الخطير، والإعلام بات يسمى بإعلام المواطن، لأنه هو من ينقل الإعلام والمعرفة دون أن يدري هل هي صحيحة أم خاطئة، أما النشر فهو باب واسع وأحد معالمه هو الكسب المادي، وبالتالي صناعة الوعي تأتي من هذه الروافد، التي تحكمها ميلشيات تعمل على إنتاج محتوى معين له أهداف محددة. وأضاف: إننا نحتاج إلى ما يسمى بالتربية الإعلامية، بمعنى أن نعلم الطفل كيف يفرق بين الجيد والسيئ في فترة طفولته المبكرة لتشكيل عقلية الطفل العربي، وأن نولي الاهتمام بتعليم أبنائنا اللغة العربية بطريقة سهلة حتى يفهم ما يقرأ، لأنها ثقافة الإسلام التي تكوِّن وعي المسلم، مشيرًا إلى أنه في الخمسينيات كان ما يلقيه خطيب الجمعة هو الدستور الأعلى للجميع، بينما الآن يتدخل في تربية أبنائنا المدرسة والنادي والشارع والأصدقاء، ثم مواقع السوشيال ميديا التي أصبحت أحد روافد التربية، بل الأكثر تأثيرًا، فبالتالي يجب أن نكون صناع محتوى في هذا العالم المفتوح كي نعود الأساس في تربية أبنائنا.

وتأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناح خاص في المعرض؛ تأكيدًا لدورها المؤسسي في الإسهام ببناء الوعي الرشيد، وترسيخ القيم الدينية والفكرية القادرة على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة، من خلال تقديم خطاب علمي منضبط، ومحتوى معرفي يوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الواقع، ويستهدف مختلف الفئات العمرية، بما يعزز قدرتهم على الفهم والتمييز، ويُسهم في حماية الوعي المجتمعي من التضليل والتشويه.