بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. دينا يعقوب تكتب: نهر النيل في الخطاب الأمريكي قراءة في تصريحات ترامب حول سد النهضة

د دينا يعقوب
-

نهر النيل هو أطول نهر في العالم، يمتد عبر عدة دول في شرق وشمال شرق إفريقيا، ويُعد مصدر الحياة الرئيسي لمصر والسودان منذ آلاف السنين في الزراعة، والاقتصاد، والبيئة، والحياة اليومية. مياه النيل تمثل عنصر أمن قومي واستراتيجي لمصر على طول تاريخها حتى اليوم.
ولهذا السبب، أي تغيير في توزيع المياه أو سياسات السدود في المنبع له تبعات سياسية، دبلوماسية، وحتى شعبية كبيرة.

سد النهضة: الخلاف الأبرز
السد الأثيوبي الكبير المعروف باسم GERD بُني على النيل الأزرق في إثيوبيا، بهدف توليد طاقة كهربائية ضخمة وتطوير الاقتصاد المحلي. لكنه أثار توترات مع مصر والسودان بسبب مخاوف من تقليل مياه النيل المتدفقة إليهما أو تغير موعد الشحّ والفيضانات الموسمية.
المفاوضات بين الدول الثلاث استمرت سنوات دون اتفاق ملزم يحمي حقوق الدول المصب.

ما قاله ترامب عن سد النهضة مؤخرًا
في تصريحات إعلامية وفي لقاء رسمي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش فعاليات منتدى اقتصادي عالمي في دافوس، علق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أزمة سد النهضة بلهجة قوية تشمل:

انتقاد تمويل السد وذكر الولايات المتحدة بشكل بارز

ترامب كرر ادعاءً غير دقيق بأن الولايات المتحدة مولت سد النهضة واصفًا التمويل بأنه “تم بغباء”، رغم أنه لا توجد دلائل رسمية على تمويل مباشر من واشنطن لبناء السد نفسه.
ربط السد بأمن مياه مصر

قال ترامب إن السد “يسد مجرى نهر النيل” ويقلّل من حصّة مصر من المياه، مشيرًا إلى أن نهر النيل مرتبط بشكل وثيق بالحياة في مصر.

عرض الوساطة واستئناف المفاوضات

أعلن استعداده لإعادة إطلاق جهود الوساطة بين مصر وإثيوبيا لحل النزاع بشكل عادل ودائم، وأن القضية ستكون على رأس أولوياته الدبلوماسية.

حذر من احتمالات تصعيد أكبر

ترامب أيضًا حذر من أن استمرار النزاع من دون حل قد يؤدي إلى “تصعيد واسع وربما مواجهة عسكرية”، مؤكدًا أهمية تسوية الخلاف.

لماذا يكرر ترامب الحديث حول السد؟
تصريحات ترامب بتوقيت يناير 2026 جاءت في سياق:
• محاولة إبراز دوره كقائد عالمي وسياسي قادر على حل نزاعات دولية.
• توجيه رسالة قوة لدول المنطقة بخصوص التوازنات الإقليمية.
• التأكيد على أهمية مياه النيل بصفة أمن قومي لمصر.

هذه التصريحات تأتي بعد سنوات من توقف المفاوضات الأمريكية – الإفريقية حول السد، ما جعلها تتفاعل إعلاميًا وسياسيًا أكثر في المنطقة.

التبعات السياسية والدبلوماسية

ردود الفعل في مصر

في مصر، تلقّت تصريحات ترامب ترحيبًا سياسيًا واسعًا، واعتُبرت كـ اعتراف دولي بمكانة مصر التاريخية في ملف مياه النيل وبضرورة إيجاد حل عادل. بعض الأحزاب السياسية ربطت الرسالة بدور القاهرة المحوري في استقرار المنطقة.

الرفض الإثيوبي
الجانب الإثيوبي رد بوضوح على بعض تصريحات ترامب، مؤكدًا أن سد النهضة مشروع أثيوبي بحت، وأن التمويل التقليدي له جاء من مصادر محلية مثل سندات وشركاء آخرين وليس دعمًا أمريكيًا. 

الموقف الدولي
الملف عاد إلى دائرة الاهتمام العالمي، حيث إن استقرار حوض النيل يؤثر على الأمن المائي الإقليمي والتنمية المستدامة في القرن الأفريقي وشرق إفريقيا.

تأثير تصريحات ترامب على اتفاقيات النيل

حتى الآن لا توجد اتفاقية دولية جديدة صادرة نتيجة هذه التصريحات، لكن الآثار تشمل:
• رفع مستوى الضغط الدولي نحو استئناف المفاوضات بوجود وسيط قوي.
• إعادة تأكيد الحقوق التاريخية للدول المصب (مثل مصر والسودان).
• احتمال ظهور صيغة تفاهم جديدة تُدمج بين مصالح التنمية الإثيوبية وضمانات تدفق المياه إلى مصر والسودان.
• تعزيز الملف كمادة جدلية في السياسة الخارجية المصرية.

تصريحات ترامب أدّت أكثر إلى تحريك ملف المياه والتفاوض بدل أن تُنتج اتفاقًا جاهزًا تنفّذه الأطراف.

نهر النيل ليس مجرد نهر ؛ هو حياة وأمن واستقرار لملايين البشر في دول المصب. تصريحات ترامب في مطلع ٢٠٢٦ أعادت ملف سد النهضة إلى الواجهة السياسية والدبلوماسية الدولية، مع تركيز على:
• أهمية حل عادل ومتوازن.
• التهديدات المحتملة لاستمرار النزاع.
• الدعوة لوساطة قوية قد تُعيد التفاوض إلى مساره.

لكن قوتها الحقيقية ليست في الكلمات فقط، بل في التأثير على الإرادات السياسية والحوار الدولي بين مصر، إثيوبيا، والسودان ، وهو ما سيحدد مستقبل المياه والاتفاقيات في حوض النيل خلال السنوات القادمة.