الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : كلمة الرئيس في عيد الشرطة… وثيقة وعي وطمأنة للدولة

لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة المصرية، مجرد خطاب احتفالي مرتبط بمناسبة وطنية، بل جاءت أقرب إلى وثيقة وعي متكاملة، تحمل بين سطورها رسائل طمأنة للشعب المصري، وتحذيرات مدروسة من تحديات الحاضر، ورؤية واضحة لمسار الدولة في زمن تتكاثر فيه الاضطرابات إقليميًا ودوليًا.
لقدجاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، معبرة عن وعي سياسي عميق بحجم التحديات التي تواجه الدولة المصرية، ورسالة طمأنة مباشرة لشعب يعيش في عالم مضطرب تتراجع فيه القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية ويغيب فيه منطق العدالة.
كلمة الرئيس السيسى حملت رؤية شاملة تربط بين الأمن والاستقرار وبناء الوعي، وتطرح مفهوم الدولة القادرة التي تحمي مؤسساتها وتراهن على الإنسان، في توقيت شديد الحساسية إقليميًا ودوليًا.
تناول الرئيس الدور الوطني المحوري الذي تقوم به الشرطة المصرية، بوصفها أحد أعمدة الاستقرار وحائط الصد الأول في مواجهة الإرهاب ومحاولات زعزعة الدولة، في ظل إدراك واضح بأن الحفاظ على الأمن هو الأساس لأي عملية تنمية أو بناء.
وتوقف الخطاب عند ملف الشهداء وأسرهم بطرح إنساني صادق، عكس تقدير الدولة لتضحيات أبنائها، واستعرض مسارًا طويلًا من الرعاية والوفاء الممتد عبر عقود، منذ الحروب الوطنية وصولًا إلى معركة الدولة ضد الإرهاب، في رسالة مفادها أن من ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن حاضرون دائمًا في وجدان الدولة، لا تغيب تضحياتهم بمرور الزمن.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، قدّم الرئيس قراءة دقيقة لحالة الاضطراب العالمي، وما يشهده من تآكل في منظومة القانون الدولي، مع إعادة طرح ثوابت السياسة المصرية القائمة على احترام سيادة الدول، ورفض العنف، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، باعتبارها ركائز لا غنى عنها لاستقرار المنطقة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، جاء الطرح المصري واضحًا وحاسمًا، برفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني أو تصفية قضيته، مع التشديد على ضرورة تنفيذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة بصورة كاملة، وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عراقيل، والتحذير من التداعيات الخطيرة لمثل هذه السياسات على الأمن الإقليمي والدولي.
كما عكس الخطاب موقفًا مصريًا ثابتًا تجاه محاولات تفكيك الدول أو خلق كيانات وميليشيات موازية للمؤسسات الوطنية، في ضوء تجارب قاسية شهدتها المنطقة حين تم العبث ببنية الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي محور الوعي، برز التركيز على دور الشباب باعتباره خط الدفاع الأول عن الدولة، مع الإشارة إلى أن مواجهة الشائعات ومخاطر التكنولوجيا الحديثة لا تُدار بالأدوات الأمنية وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وتعزيز أدوار التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والأسرة.
واختُتمت الكلمة برؤية واقعية لمسار الإصلاح المؤسسي، باعتباره عملية طويلة ومعقدة تقوم على التطوير التدريجي والنقد المسؤول، لا على الصدام أو الهدم، في طرح يعكس فلسفة دولة تبحث عن الاستقرار والبناء لا المغامرة والفوضى.
بهذا المعنى، تمثل كلمة الرئيس في عيد الشرطة وثيقة سياسية وإنسانية بالغة الدلالة، أعادت ترتيب الأولويات، ووجهت رسائل طمأنة للمجتمع، ودعوة صريحة للوعي والتكاتف والعمل، من أجل الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، وبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.

