بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الدكتور محمد فؤاد الخبير الاقتصادى: الدَّيْن ليس كاوتش..لماذا لا تُصلَح الأزمة بتغيير رقم؟

د.محمد فؤاد الخبير الاقتصادى وعضو مجلس النواب
عبدالناصر محمد -

فى خضم الجدل المحتدم حول ملف الدين العام، تتركز غالبية النقاشات فى سؤالين مباشرين، هل ارتفع الدين أم تراجع، وهل كسرنا الذروة أم لا، غير أن هذا الطرح، على بساطته، يختزل القضية بشكل مخل فى أرقام فقط، ويتعامل مع الدين وكأنه مؤشر يومى صاعد أو هابط، بينما الحقيقة أكثر تعقيدا وتشابكا.
فالدين العام ليس «كاوتش عربية» انفجر فجأة فنغيره ونكمل الطريق، لكنه نتيجة مسار طويل، ملىء بالمسامير.. أى نعم يمكنك تغيير الكاوتش مرة واثنتين مع كل توقف، لكن طالما أنك تسير على المسامير نفسها، فالنتيجة واحدة، وربما بكلفة إصلاح أعلى فى كل مرة.
وهنا تحديدا تبرز أهمية ورقة بحثية حديثة صادرة عن المكتب الوطنى الأمريكى للبحوث الاقتصادية (NBER)، إذ لا تتعامل مع الدين العام كرقم جامد يُقاس فى نهاية كل عام، بل كمنظومة متكاملة من التدفقات النقدية والمسارات الاقتصادية المتشابكة.
تلفت الورقة الانتباه إلى سؤال يبدو بديهيا لكنه بالغ الأهمية: لماذا نُصر على قياس استدامة الدين من خلال نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى، رغم أن هذا المؤشر يقارن بين رصيد متراكم «الدين» وتدفق سنوى «الناتج فى سنة واحدة».
فلكى تصبح هذه النسبة ذات دلالة حقيقية، يفترض ضمنيا أن النمو مستقر، وأن أسعار الفائدة يمكن التنبؤ بها، وأن الاقتصاد يسير فى مسار شبه خطى، غير أن الواقع العالمى اليوم يقول عكس ذلك تماما، حيث تتغير تكلفة الاقتراض بسرعة، وتتقلب التدفقات الرأسمالية بين ليلة وضحاها، وتتعرض الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على السواء لهزات متكررة تجعل أى قراءة ثابتة لهذا المؤشر أقرب إلى تبسيط مخل منه إلى تشخيص دقيق.
لهذا تقترح الورقة بدائل تبدو أكثر التصاقا بالواقع المالى للدول، وأقل انخداعا بالأرقام المجردة من سياقها، فى مقدمتها مؤشر عبء خدمة الدين كنسبة من الناتج، وهو مقياس لا ينظر إلى حجم الدين فى حد ذاته، بل إلى تكلفة خدمته الفعلية، أى ما تسدده الدولة سنويا من فوائد وأقساط مقارنة بما تولده من تدفقات جارية، وبذلك يجيب عن السؤال الأكثر واقعية، هل تستطيع الحكومة الدفع الآن دون أن تخنق الإنفاق على التنمية والخدمات.
المؤشر الثانى يقارن الدين بالثروة، لا بالناتج فقط، فيضع الالتزامات المالية فى مواجهة قاعدة الأصول والدخل المستقبلى للاقتصاد، أى ما تملكه الدولة وما يمكن أن تولده لاحقا، وليس فقط ما أنتجته فى عام واحد، وهو ما ينقل النقاش إلى صورة هيكلية أوسع لقدرة الاقتصاد على الاحتمال.
ويتسق الطرح مع الأدبيات الاقتصادية، حيث قدّم توماس سارجنت فكرة شديدة البساطة فى جوهرها: لا تستطيع أى دولة أن تعيش إلى ما لا نهاية على الاستدانة وحدها، بل لا بد أن يأتى وقت تصبح فيه إيراداتها الحقيقية كافية لتغطية ما تراكم عليها من ديون. وعبّر أوليفييه بلانشار عن المعنى نفسه بلغة أقرب لصنّاع السياسات، مؤكدا أن الاقتراض فى حد ذاته ليس مشكلة، وإنما المشكلة حين يتحول إلى وسيلة دائمة لتدوير الدين دون مسار واضح يزيد الدخل الحقيقى ويخفف العبء عبر الزمن، حتى لا تنزلق المالية العامة إلى ما يُعرف بقاعدة «بونزى»، أى الاعتماد المستمر على دين جديد لسداد دين قديم، دون قدرة حقيقية على السداد من موارد الاقتصاد نفسه، وهو مسار قد يستمر شكليا لفترة، لكنه غير قابل للاستدامة وينتهى دائما بتكلفة أعلى على الاقتصاد والمجتمع.
الخلاصة الجوهرية التى تطرحها الدراسة أن هذه المقاييس ترسم واقعا مختلفا تماما عما توحى به نسبة الدين إلى الناتج المحلى، فقد تبدو النسبة مرتفعة على الورق، بينما يظل العبء الفعلى قابلا للإدارة بفضل تدفقات نقدية قوية أو أصول كبيرة، وقد يحدث العكس تماما، إذ تبدو الأرقام مطمئنة ظاهريا بينما تختنق الموازنة بتكاليف خدمة دين مرتفعة، ففى النهاية، ما يحدد الاستدامة ليس حجم الدين كرقم مجرد، بل قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات مستمرة تموّل هذا الدين دون أن تستنزف طاقته الإنتاجية.

الحلول الوقتية.. ليست خطأ لكنها قاصرة

ومن هذا المنطلق، يصبح واضحا أن كثيرا من «الحلول» المتداولة سواء إعادة هيكلة آجال، أو مبادلات ديون، أو تحسينات محاسبية ليست خطأ فى ذاتها، لكنها تعالج العرض لا المرض، إذ تتعامل مع الأعراض الظاهرة للأزمة ولا تقترب من أسبابها العميقة.
فهذه الحلول قد تمنح متنفسا زمنيا، وتخفف الضغط اللحظى لكنها لا تغيّر قواعد اللعبة ذاتها.. هى أشبه بتغيير كاوتش السيارة كلما تعرّض للثقب، من دون الالتفات إلى الطريق المليء بالمسامير.. قد تواصل السير لبعض الوقت، لكن حتمية التعثر تبقى قائمة، وربما تتكرر بوتيرة أسرع وكلفة أعلى.
المشكلة الحقيقية، إذن، لا تكمن فى رقم الدين بحد ذاته، بل فى النموذج الاقتصادى الذى يُنتجه، خاصة إن كان المسار الاقتصادى يعتمد على الاقتراض أكثر مما يعتمد على توليد قيمة مضافة، وعلى الإنفاق أكثر مما يعتمد على الإنتاجية، وعلى إدارة المشروعات أكثر مما يعتمد على إدارة الاقتصاد.

جوهر الاستدامة المالية

لذلك اى نقاش جاد عن الدين يجب ان يتطرق إلى مصطلح جوهرى وهو الاستدامة المالية، تلك الاستدامة لا تُقاس بالرصيد، بل بالتدفقات، وتضمن أن الإيرادات الجارية تنمو بوتيرة تفوق خدمة الدين، وأن الاستثمار العام يولد عائدا إنتاجيا يرفع القاعدة الضريبية مستقبلا، وأن الاقتصاد قادر على امتصاص الصدمات دون تحويلها تلقائيا إلى اقتراض جديد، أما بدون ذلك، فأى خفض رقمى للدين سوف يظل مؤقتا بطبيعته.

الحل فين؟

وهنا يخطئ كثيرون حين يسألون: طيب والحل؟ وكأن أزمة الدين تُحل بخطوتين أو قرار واحد، فى حين أن الدين ليس مشكلة تقنية تُحل، بل مسار سياسات يُعاد بناؤه، وهذا بالضبط ما يحاول حزب العدل فعله من خلال أدواته البرلمانية والبحثية، بنقل النقاش من البحث عن «حل سريع» إلى مساءلة المسار الذى يُنتج الدين.
وتحركات الحزب فى ملف الدين، فى حقيقتها ليست رد فعل على تصريح أو رقم، بل مسار رقابى متدرج، يبدأ بتحديد نطاق قياس الدين والتمسك بمفهوم الحكومة العامة، لأن أى نقاش بلا تعريف منضبط هو نقاش مضلل، ثم ينتقل إلى بنية المالية العامة ووحدة الموازنة، وطرح أسئلة مباشرة حول دمج الهيئات الاقتصادية.
كذلك اشتبك الحزب، مع هيكل الدين نفسه عبر مساءلة آجال أذون الخزانة واستثمارات الجهات الحكومية فيها، لكشف مخاطر إعادة التمويل قصيرة الأجل، ثم طرح ملف إدارة السيولة الحكومية، كاشفا أحد أخطر مصادر الخلل بدولة تقترض بأسعار مرتفعة، بينما أجهزتها تحتفظ بسيولة غير مُدارة سياديا.

خفض الدين كمسار وليس كرقم

وبالطبع ما يطرحه الحزب، ليس «حلولا نهائية»، بل تفكيك منهجى للمسامير التى تخرق الكاوتش مرة بعد مرة، وجوهر الطرح ليس تقليص الإنفاق لمجرد التقليص، ولا وقف الاستثمار، بل إعادة توجيه دور الدولة من مستثمر مباشر ممول بالديون، إلى منظم ومحفّز يوجه الموارد نحو القطاعات الأعلى إنتاجية، وأيضا يربط الاقتراض بقدرة حقيقية على توليد تدفقات مستقبلية، وهذا بالضبط هو الفرق بين خفض الدين كرقم، وخفض الدين كمسار.
ورقة NBER تُعلّمنا درسا مهما، أنه لا يمكن الحكم على استدامة الدين دون فهم لماذا تراكم أصلا، وحزب العدل، فى اشتباكه الهادئ مع هذا الملف، لا يعد المواطنين بحل سحرى، بل يقدّم شيئا أكثر جدية، مضمونه مسارا رقابيا يعيد السياسة الاقتصادية إلى معناها الحقيقى بالمسؤولية عن الخيارات، لا الترويج للأرقام.
ختاما، فالدين ليس قدرا، وليس كاوتشا، بل نتيجة طريق، ومن يريد ألا ينفجر الكاوتش مرة أخرى، عليه أن يبدأ بإزالة المسامير.