المستشار محمد سليم يكتب: هوى النفس، حين يُكافَأ الفاشل ويُعاقَب الكفاءة

من أخطر ما يفعله هوى النفس حين يتسلل إلى مواقع القرار، أنه لا يكتفي بإفساد الاختيار، بل يُعيد تشكيل منظومة العدالة كاملة، فنفاجأ بمشهد لا يصدق، شخص واحد يتم ترشيحه في أكثر من هيئة وأكثر من مؤسسة، ويحصل من بينها على ما يزيد عن سبعمائة ألف جنيه شهريًا، لا لأنه صاحب إنجاز استثنائي، ولا لأنه قيمة علمية نادرة، بل لأنه مقبول نفسيًا، مُرضٍ مزاجيًا، متوافق مع هوى من يملك سلطة الترشيح.
وعندما نبحث في تاريخه العملي، لا نجد ما يبرر هذا الصعود الصاروخي، بل قد يكون تاريخه أقل من الصفر، بلا بصمة، بلا نجاحات، بلا أثر حقيقي، ومع ذلك تُفتح له الأبواب، وتُفصَّل له المناصب، وتُبرَّر له الامتيازات، وكأن الكفاءة أصبحت عبئًا، والعلم خطرًا، والاجتهاد تهمة يجب إبعادها عن المشهد.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، تقف كفاءات حقيقية، أصحاب علم وخبرة وخدمة طويلة، رجال ونساء أفنوا أعمارهم في العمل العام، بنوا مؤسسات، وواجهوا أزمات، وتحملوا المسؤولية في أصعب اللحظات، فإذا بهم يُركَنون على الرف، لا يُستفاد من علمهم، ولا يُستشارون، ولا يُقدَّر عطاؤهم، بل إن ما يحصلون عليه بعد سنوات طويلة من الخدمة لا يزيد عن خمسة آلاف جنيه، معاش هزيل لا يليق بعمر ضاع في العطاء، ولا بكرامة من خدموا الوطن بصمت.
وهنا لا يكون الظلم مجرد أرقام، بل رسالة قاسية، رسالة تقول إن الولاء للهوى أهم من الولاء للعمل، وإن القرب أهم من الكفاءة، وإن من يرضي النفس ينال، ومن يملك العلم يُهمَّش، فتتحول الترشيحات من مسؤولية وطنية إلى مكافآت مزاجية، ويصبح المال العام أداة إرضاء لا أمانة يجب صونها.
هذا الخلل لا يقتل الأفراد فقط، بل يقتل المؤسسات، لأن المؤسسة التي تضع غير المؤهل في الصدارة، وتُقصي صاحب الخبرة، تحكم على نفسها بالعجز، ثم تتساءل بدهشة مصطنعة لماذا تراجع الأداء، ولماذا غاب الإبداع، ولماذا فشلت الخطط، بينما السبب واضح، لأن النفس حين تحكم، تُقصي الأكفأ، وتُصعِّد الأضعف، وتخلط بين الثقة والهوى، وبين التقدير والمجاملة.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج يُعاد إنتاجه، فيتعلم الشباب أن الاجتهاد لا قيمة له، وأن التفوق لا يشفع، وأن الطريق الأسرع ليس العمل ولا العلم، بل الدخول إلى دوائر الرضا، وهنا تبدأ الهجرة الصامتة للعقول، ويبدأ التصحر المهني، وتتحول المؤسسات إلى هياكل بلا روح.
إنها ليست قضية شخص يحصل على سبعمائة ألف جنيه، ولا قضية معاش خمسة آلاف جنيه، بل قضية ميزان انكسر، وعدل غاب، ونفس أُطلقت بلا رقيب، وقد حذر الله من هذا المسار حين قال، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، فالهوى إذا دخل موقع القرار، أفسد المال، وكسر العدالة، وترك خلفه مظالم لا تُمحى بالتقادم.
وفي النهاية، إلى كل من يملك سلطة ترشيح أو قرار، تذكّر أن الكرسي لا يدوم، وأن الملفات لا تُغلق، وأن المال العام أمانة، وأن من رُكنوا اليوم بأجور هزيلة، قد يكونون شهود الغد، وقد قال الله تعالى، وقفوهم إنهم مسؤولون، هناك لا تنفع تبريرات، ولا تُجدي مسميات، هناك فقط حساب، وعدل لا يجامل، وسؤال واحد يتكرر، لماذا قُدِّم الهوى وأُقصيت الكفاءة.

