بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الدكتورة ميادة محمود تكتب البصمة الكربونية كمرآة أخلاقية للاقتصاد

الكاتبة
-

لم تعد القضايا البيئية ترفًا فكريًا أو موضوعًا مؤجلًا للنقاش، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على الاقتصاد والمجتمع وأنماط الحياة اليومية. وفي قلب هذا الواقع يبرز مفهوم البصمة الكربونية كأحد أكثر المؤشرات صدقًا في كشف العلاقة غير المتوازنة بين الإنسان والبيئة.

فالبصمة الكربونية، ببساطة، هي إجمالي الانبعاثات الكربونية الناتجة عن أنشطة الإنسان، سواء كانت فردية أو مؤسسية أو على مستوى الدول. لكنها في جوهرها أعمق من مجرد رقم أو معادلة علمية؛ إنها سجل غير مرئي لتأثير قراراتنا اليومية على كوكب محدود الموارد.

من مؤشر بيئي إلى أداة مساءلة

التعامل التقليدي مع البصمة الكربونية يضعها في خانة البيئة فقط، بينما الحقيقة أنها أداة مساءلة للتنمية نفسها.

فأي نموذج تنموي لا يحسب بصمته الكربونية، هو نموذج يؤجل ثمن نجاحه إلى المستقبل، ويترك الأجيال القادمة أمام فاتورة بيئية واقتصادية واجتماعية باهظة.

التنمية المستدامة لا تُقاس فقط بما نضيفه من نمو اقتصادي، بل بما نمنعه من أضرار طويلة المدى. وهنا تصبح البصمة الكربونية مقياسًا لجودة التنمية، لا لسرعتها فقط.

من مؤشر بيئي إلى أداة مساءلة

حين تقرر دولة التوسع في مشروعات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة دون الاستثمار المتوازي في الطاقة النظيفة، فهي قد تحقق نموًا سريعًا، لكنها في الوقت نفسه تضاعف بصمتها الكربونية وتضع قيودًا مستقبلية على هذا النمو نفسه.

وينطبق الأمر ذاته على الشركات والمؤسسات التى تحقق أرباحًا مرتفعة عبر إنتاج كثيف الانبعاثات، لكنها تتجاهل كفاءة الطاقة أو إدارة المخلفات، سرعان ما تجد نفسها أمام:تكاليف تشغيل أعلى ، ضغوط تنظيمية وتراجع ثقة المستثمرين،وهنا تتحول البصمة الكربونية من رقم في تقرير بيئي إلى مؤشر خطر اقتصادي.

البيئة لا تنهار… بل تُستنزف

عندما ترتفع درجات الحرارة في المدن الكبرى بسبب الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، لا يكون ذلك حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة:انبعاثات متراكمة ،تخطيط عمراني غير مستدام وتجاهل النقل الجماعي منخفض الكربون ، وكذلك مناطق زراعية تفقد خصوبتها تدريجيًا نتيجة الاستخدام المكثف للأسمدة والطاقة الأحفورية في الري، ما يرفع البصمة الكربونية للغذاء نفسه، ويحوّل الأمن الغذائي إلى تحدٍ بيئي واقتصادي في آن واحد.

هل المشكلة في المصانع فقط؟

الاعتقاد بأن البصمة الكربونية مسؤولية المصانع الكبرى فقط هو اعتقاد مريح… لكنه غير دقيق.

مثال فردي بسيط:استخدام السيارة يوميًا لمسافات قصيرة بدل المشي أو النقل المشترك ،الإفراط في استهلاك الكهرباء دون كفاءة وشراء منتجات سريعة التلف وعالية التكاليف ،هذه القرارات الصغيرة، حين تتكرر على مستوى ملايين الأفراد، تصنع أثرًا كربونيًا ضخمًا.

ومثال مؤسسي:شركة صغيرة تعتمد على أجهزة قديمة عالية الاستهلاك للطاقة، أو ترفض الاستثمار في تحسين الكفاءة بحجة التكلفة، قد توفر اليوم، لكنها تدفع غدًا: فواتير طاقة أعلى ،ضعف القدرة التنافسية وخسارة فرص تمويل مرتبطة بالاستدامة.

البصمة الكربونية والتنمية المستدامة: اختبار واقعي لا نظري

في بعض الدول، أدى الاستثمار في الطاقة المتجددة إلى:خفض الانبعاثات وخلق فرص عمل جديدة وايضا تقليل الاعتماد على الواردات الطاقويةوفي المقابل، نجد نماذج تنموية أخرى رفعت الناتج المحلي، لكنها:زادت معدلات التلوث ورفعت تكاليف الرعاية الصحية واستنزفت الموارد الطبيعية. الفارق بين النموذجين هو كيفية إدارة البصمة الكربونية، لا حجم النمو فقط.

من الوعي إلى الفعل: أمثلة على التحول الحقيقي

مؤسسة تضع هدفًا لخفض بصمتها الكربونية بنسبة محددة وتربطه بتقييم الإدارة.- مدينة تستثمر في النقل الكهربائي بدل توسيع الطرق فقط - مستهلك يختار منتجًا محليًا لتقليل انبعاثات النقل.- جامعة تدمج الاستدامة في المناهج بدل الاكتفاء بالأنشطة الرمزية.

هذه الأمثلة لا تصنع عناوين صاخبة، لكنها تصنع تحوّلًا حقيقيًا ومستدامًا.

البصمة الكربونية ليست مفهومًا نظريًا ولا عبئًا إضافيًا على التنمية، بل أداة لفهم حدودها الحقيقية.

هي المرآة التي تكشف إن كنا نبني مستقبلًا قابلًا للاستمرار، أم نؤجل الانهيار بثمن أعلى.وحين ندرك أن كل قرار مهما بدا بسيطًا يترك أثرًا، تصبح التنمية المستدامة ممارسة يومية، لا شعارًا موسميًا

الكاتبة باحث فى مجال البيئة التنمية والمستدامة

مدرس الميكروبيولوجى

استشارى التغذية العلاجية

أمين أمانة البيئة والتنمية المستدامة محافظة الشرقية