180 عالما يدعون إلى إدماج قضايا العمل والمهن والإنتاج في الخطاب الديني

أعلنت الدورة السادسة والثلاثين لمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، المنعقد بعنوان المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي،عدد من التوصيات والمنعقد برعاية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وبمشاركة أكثر من 180 شخصية علمية وفكرية من أكثر من خمسين دولة، وبإسهام علمي متميز يتمثل في أكثر 14 جلسة علمية وما يزيد على مائة بحث علمي، وذلك لمناقشة عدد من القضايا الخادمة لقضية المهن في الإسلام، أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، وأسفرت هذه الجلسات والكلمات عن عدة توصيات، أهمها:
يدعو المؤتمر إلى إدماج قضايا العمل والمهن والإنتاج إدماجًا واعيًا في الخطاب الديني المعاصر، بحيث ينتقل من دائرة الوعظ المجرد إلى فضاء الإسهام الحضاري، ويستعيد دوره في توجيه السلوك المهني، وترسيخ قيم الإتقان، وتحويل العمل إلى عبادة، والإنتاج إلى رسالة، والعطاء إلى مسؤولية جماعية.
يؤكد المؤتمر ضرورة إعادة بناء الصلة العميقة بين الإيمان والعمران في المناهج التعليمية، والبرامج الدعوية، والدورات التدريبية، باعتبار أن الإيمان الحق هو المحرّك الأول للبناء، وأن النهضة لا تقوم إلا على إنسان يجمع بين صفاء العقيدة، وحسن العمل، وعمارة الأرض وفق ميزان القيم والعدل.
يشدد المؤتمر على أهمية تعزيز خطاب ديني إيجابي ومتوازن تجاه العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، يبدد المخاوف غير المنهجية، ويقاوم الانغلاق، ويؤكد أن العلم أداة للتكريم الإنساني متى ضُبط بالقيم، وأن التقنية ليست نقيضًا للأخلاق بل ميدانًا لاختبارها.
يؤكد المؤتمر أن الأخلاق ليست عنصرًا تجميليًا يُضاف إلى منظومات العمل والإنتاج، بل هي شرطٌ أصيل لاستدامتها، وضمان عدالتها، واستمرار أثرها الإيجابي. فكل إنتاج ينفصل عن القيم محكوم عليه بالاضطراب، وكل تقدم يخلو من الضمير مآله التآكل والاختلال.
يدعو المؤتمر إلى ترسيخ البعد الإنساني في العمل، وحماية كرامة العامل، وصون حقوقه، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتغير أنماط التوظيف، بما يضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة تهميش، بل إلى وسيلة تمكين وعدالة اجتماعية.
يشدد المؤتمر على أهمية التوسع في الدراسات البينية عبر المراحل التعليمية المختلفة، بما يحقق الاستفادة من التخصصات المهددة بالتراجع بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي، ويعزز التمازج البنّاء بين العلوم الشرعية، والإنسانية، والتطبيقية، لصناعة معرفة متكاملة قادرة على مواكبة المستقبل.
يدعو المؤتمر إلى تشبيك الجهود الدولية للتوافق على ضوابط ومعايير أخلاقية جامعة تحكم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، بما يحقق العدالة، ويحفظ الخصوصية، ويصون القيم الإنسانية المشتركة، بعيدًا عن الهيمنة أو الاستغلال.
يوصي المؤتمر بتعزيز التعاون الدولي، على المستويين الحكومي وغير الحكومي، لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، واحتواء الأثر الكربوني المتنامي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، بما يوازن بين الابتكار التقني، والمسؤولية البيئية، وحق الأجيال القادمة في مستقبل آمن وعادل.
يوصي المؤتمر بإصدار الدليل الإرشادي للموظف والعامل، بوصفه مرجعًا عمليًا يربط بين القيم الأخلاقية، والمسؤوليات المهنية، ومتطلبات الواقع المعاصر، ويُسهم في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على النزاهة، والانضباط، والاحترام المتبادل.
يدعو المؤتمر إلى إطلاق حملات توعوية ودورات تدريبية متخصصة لترسيخ أخلاقيات المهن في المصانع، والنقابات، والمؤسسات الإنتاجية، ووسائل الإعلام، بما يضمن وصول الرسالة الأخلاقية إلى مواقع التأثير المباشر، وتحويل القيم إلى ممارسات يومية ملموسة.
يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة علمية وتنفيذية لمتابعة توصياته، واستكمال المقترحات ذات الصلة، ووضع آليات للتنفيذ المرحلي، وقياس الأثر المجتمعي، بما يضمن ألا تبقى التوصيات حبيسة الوثائق، بل تتحول إلى سياسات ومبادرات فاعلة.
واكد البيان الختامى للمؤتمر إن هذه التوصيات لا تُقدَّم بوصفها سطورًا تُسجَّل في وثيقة، ولا شعارات تُرفع في مناسبة، بل تُصاغ لتكون نداءَ ضميرٍ حيٍّ، وخارطةَ طريقٍ للعمل، ورسالةَ مسؤوليةٍ إلى كل من يحمل همَّ دينه، ويصون حاضر دنياه، ويستشرف مستقبل أمته؛ نداءٌ نرجو أن يُترجم وعيًا، ثم إرادة، ثم أثرًا ملموسًا في واقع الحياة.
نقدّمها على أملٍ صادقٍ أن نرى قريبًا:
- خطيبَ الجمعة يوقظ الضمائر بالحديث عن إتقان العمل، وحماية الإنتاج الوطني، وربط العبادة بعمارة الأوطان.
- ومعلّمَ المدرسة والجامعة يصوغ العقول على ثنائيةٍ راسخةٍ تجمع بين الإيمان والعمران، وتغرس في النفوس أن العلم بلا قيمةٍ أخلاقية فاقدٌ لوجهته.
- ورجل الأعمال ومديرَ المصنع والمكتب يجعل من الأخلاق، والعدل، وصون الكرامة الإنسانية رأسَ ماله الحقيقي، وأساس نجاحه واستدامة مؤسسته.
- وعالِمَ المختبر، والطبيب، والمهندس، والعامل، وباحثَ الذكاء الاصطناعي، يستحضر مراقبة الله، ويقدّم سلامة الإنسان وخير الخلق على بريق التقنية وسرعة الإنجاز، قبل أن يطلق أداةً أو يوقّع ابتكارًا.
ومن هنا، فإننا نرفع هذا النداء إلى الجميع:
إلى العلماء والدعاة، إلى المربين والمفكرين، إلى الاقتصاديين والمهندسين، إلى صنّاع القرار وأرباب العمل… هلمّوا لبناء فقه معاصر؛ فقهٍ يُعيد وصل السماء بالأرض، ويوازن بين الإيمان والتقدم، ويملأ الحياة علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وتقنيةً خادمةً للإنسان لا متسلطةً عليه.
فقهٌ نبتغي به أن تَعمُر الأرض بالعدل، وتُصان الكرامة الإنسانية، ويُوجِّه العقل، ويُهذِّب الابتكار، ويُسخِّر القوة للخير، ليكون المستقبل أكثر إنسانية، والعالم أوسع سلامًا، والبشرية أقرب إلى القيم التي خُلقت من أجلها.

