المستشار محمد سليم يكتب :من المسئول عن فوضى التسول؟

لم تعد ظاهرة التسول مجرد أزمة اجتماعية عابرة، بل تحولت إلى فوضى مكتملة الأركان تفرض نفسها على الشارع المصري بقوة الابتزاز العاطفي، وغياب الردع، وسوء الإدارة. فالمتسول اليوم لا يطلب المساعدة، بل يفرض نفسه، يطارد المواطنين، ويستغل الأطفال والمرضى، ويحتل الإشارات، والمواصلات، ودور العبادة، دون خوف أو حساب.
والسؤال الذي يرفض الجميع الإجابة عنه، من المسئول عن هذا الانفلات؟
هل هو المتسول الذي وجد الشارع مفتوحًا بلا رقيب؟، أم المواطن الذي يدفع “علشان يخلص”؟ أم مؤسسات الدولة التي تركت الملف بلا حسم؟
الحقيقة المؤلمة أن التسول لم يعد فقرًا، بل تجارة، ومن لا يرى ذلك إما ساذج أو يتعمد تجاهل الواقع.
دولة تعرف المشكلة.. لكنها لا تواجهها
الدولة ليست جاهلة بحجم الظاهرة، ولا تفتقر للقوانين، هناك نصوص قانونية تجرّم التسول، وهناك حملات تُنفذ من وقت لآخر، لكن ما يحدث على الأرض هو إدارة الأزمة لا حلها. حملات موسمية، بيانات رسمية، ثم عودة الأمور أسوأ مما كانت.
الشارع يقول بوضوح: لا ردع، ولا متابعة، ولا استراتيجية. المتسول الذي يُضبط اليوم، يعود غدًا لنفس المكان، بنفس الأسلوب، وكأن شيئًا لم يكن. لا تأهيل، لا تشغيل، ولا حتى حصر حقيقي. مجرد “إمساك وإفراج”، يفرغ القانون من مضمونه.
الأخطر أن الدولة تتعامل مع الظاهرة وكأنها هامشية، بينما هي في الحقيقة تهديد اجتماعي وأمني وأخلاقي، وتشويه مباشر لصورة المجتمع.
وزارة التضامن.. الدور الغائب
وزارة التضامن الاجتماعي هي الجهة المفترض أنها تمسك بزمام الملف، لكنها ما زالت أسيرة فلسفة “الدعم بدل الحل”. إعانات تُصرف، وبرامج تُعلن، بينما الشارع يزداد ازدحامًا بالمتسولين.
أين قواعد البيانات؟،أين الفرز الحقيقي بين العاجز والمتلاعب؟،أين ربط الدعم بالعمل؟
ما يحدث هو أن بعض المتسولين يحصلون على دعم رسمي، ثم يعودون للتسول دون حسيب أو رقيب، في ازدواجية فجّة تثير الغضب. الدعم تحوّل عند البعض إلى مكافأة على الفشل، لا وسيلة للإنقاذ.
أما دور الإيواء، فحدث ولا حرج. ضعف إمكانيات، هروب متكرر، غياب المتابعة، وكأن الهدف هو إخلاء الشارع مؤقتًا، لا إنقاذ الإنسان فعليًا.
المجتمع شريك في الجريمة
نعم، المجتمع شريك في استمرار التسول، ولو بحسن نية. ثقافة “اديله يمكن يكون محتاج” صنعت وحشًا لا يشبع. كل جنيه يُدفع في الشارع هو رسالة واضحة: استمر.. أنت على الطريق الصحيح.
الأسوأ هو التعاطف الأعمى مع أطفال يُستغلون بوضوح، طفل يُسحب من التعليم، ويُدفع إلى التسول، في جريمة مكتملة الأركان، بينما نكتفي نحن بالشفقة، لا بالإبلاغ أو الرفض، الشفقة غير الواعية ليست إنسانية، بل تواطؤ غير مباشر.
مافيات التسول.. الحقيقة المسكوت عنها
من يتصور أن كل متسول يعمل بمفرده، فهو لا يعرف ما يجري في الشارع،هناك شبكات منظمة، تقسيم مناطق، تحصيل يومي، وتهديد وعنف لمن يخرج عن الصف، هذا ليس فقرًا، هذا اقتصاد ظل يعيش على عاطفة الناس وغياب الدولة.
هذه المافيات لا تواجه بحملات خجولة، بل بضربات حاسمة، وتشريعات صارمة، وتجفيف كامل للمنابع، لا الاكتفاء بمطاردة الواجهة.
لماذا تفشل الحلول؟
لأننا نرفض الاعتراف بأن التسول لم يعد حالة إنسانية فقط، بل سلوكًا منحرفًا في كثير من صوره. ولأننا نخلط عمدًا بين المحتاج الحقيقي والمتلاعب المحترف. ولأن كل جهة تعمل وحدها، بلا تنسيق، وبلا محاسبة.
سبع حلول نضعها أمام الحكومة
الحل لا يحتاج عبقرية، بل شجاعة قرار. لدينا سبع حلول واضحة نضعها أمام الحكومة: حصر وطني شامل لكل المتسولين بلا استثناء، تصنيف صارم بين العاجز والقادر على العمل والمتسول المحترف، تشغيل القادرين وربط الدعم بالإنتاج، تشديد العقوبات على استغلال الأطفال والتسول المنظم، منع إعطاء المال في الشارع بحملات توعية فعلية، تمكين الجمعيات الجادة تحت رقابة صارمة، ومحاسبة كل المقصرين في الجهات الرسمية بلا مجاملات.
رسائل للجميع
هذه ليست توصيات، إنها صرخة واضحة لكل من يهمه الأمر، الشوارع ليست ساحة لتجارب الفشل، ولا ملعبًا لشبكات التسول، ولا مسرحًا للابتزاز العاطفي.
للمواطن - توقف عن التمويل غير الواعي، وحوّل تعاطفك إلى دعم مؤسسات رسمية وجدية.
للحكومة - توقيت الحسم قد حان، والقوانين يجب أن تُنفذ بلا تساهل، وإلا فالشوارع ستظل مسرحًا للفوضى والمهزلة.
للمافيات والمتلاعبين - لن نسمح بعد الآن باستغلال الضعفاء، وسنقطع كل الطريق أمامكم بلا رحمة.
للدولة كلها- إذا لم تتحرك، فسيكون التسول ليس فشل الأفراد فقط، بل إهانة جماعية للدولة والمجتمع.
التسول ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات وإخفاقات.
إذا لم يكن هناك قرار شجاع وفوري، فلن يكون هناك شارع آمن، ولن يكون هناك كرامة للإنسانية، ولن يكون هناك مجتمع يحترم نفسه. هذه رسالة واضحة،إما الحسم الآن، أو مواجهة العواقب الكارثية لاحقًا.

