بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب: الدولة ماضية في معركتها ضد سد النهضة

النائب احمد قورة
-

في القضايا المصيرية، لا تُقاس قوة الدول بحدة الخطاب، وإنما بصلابة الموقف ووضوح الرؤية، وملف سد النهضة واحد من أخطر الملفات التي واجهت الدولة المصرية في تاريخها الحديث، ليس فقط لما يمثله من تهديد مباشر للأمن المائي، بل لأنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة صراع طويل ومعقد بعقلانية وثبات.
إعادة فتح هذا الملف داخل مجلس الشيوخ اليوم الاحد ، لم تكن خطوة شكلية أو نقاشًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة تؤكد أن القضية لا تزال حاضرة بقوة في قلب الدولة، وأن حقوق مصر المائية لم تُنسَ، ولم تُغلق، ولم تُرحَّل، فالمياه ليست ملفًا فنيًا منعزلًا، بل قضية وجود، تمس حاضر الوطن ومستقبل أجياله.
النقاش الذي دار تحت القبة البرلمانية لمجلس الشيوخ ،كشف حجم التحديات، لكنه في الوقت ذاته بعث برسائل طمأنة مهمة للرأي العام، حين أكد وزير الموارد المائية والري، الدكتور هاني سويلم، أن المعركة مع سد النهضة ما زالت مستمرة على الصعيدين السياسي والدولي، وأن ما قامت به إثيوبيا من إجراءات أحادية تسبب في أضرار مباشرة لمصر والسودان، وهي أضرار لا تسقط بمرور الزمن ولا تُمحى بتغير الظروف.
الحديث هنا لم يكن خطابًا انفعاليًا، بل طرحًا يعكس عقل الدولة، القائم على الأرقام والحقائق، فسد بهذا الحجم، يُقام على نهر دولي عابر للحدود دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، يمثل سابقة خطيرة في تاريخ الأنهار الدولية، ويكشف عن تجاهل واضح لقواعد القانون الدولي وأعراف التعاون المشترك.
ورغم أن هذه الإجراءات تسببت في خصم مليارات الأمتار المكعبة من حصة مصر السنوية من مياه النيل، فإن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نجحت في إدارة الأزمة دون أن تسمح بانتقال آثارها إلى المواطن، وهو ما يعكس رؤية قيادة تعاملت مع الملف باعتباره قضية أمن قومي لا تحتمل الارتجال ولا القرارات المتسرعة.
منذ البداية، وضع الرئيس السيسي إطارًا واضحًا لإدارة هذا الملف، الدفاع الكامل عن حقوق مصر المائية، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وعدم الزج بالشعب في أزمات معيشية ناتجة عن صراع لم يكن يومًا خيارًا مصريًا،هذا النهج المتزن هو ما سمح للدولة بعبور سنوات وُصفت بالأخطر في تاريخ إدارة الموارد المائية.
هنا ، يبرز الدور المهني والمسؤول لوزير الري، الذي لم يتعامل مع الأزمة من خلف المكاتب فقط، بل حرص على التواصل المباشر مع الفلاحين، والاستماع إليهم، وشرح التحديات بلغة بسيطة، إدراكًا بأن الفلاح هو خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، وأكثر الفئات تأثرًا بأي اضطراب مائي.
الواقع المائي يفرض أرقامًا صعبة، في ظل تراجع نصيب الفرد من المياه إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، وهو رقم يضع مصر تحت خط الفقر المائي، لكن الدولة لم تتعامل مع هذا الواقع بمنطق الاستسلام، بل أطلقت الجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية، المعتمد على التكنولوجيا الحديثة، والتحول الرقمي، وإعادة الاستخدام، والتحلية، وحماية الشواطئ، ومجابهة التغيرات المناخية، وضبط نهر النيل والتصدي للتعديات.
كما أن فتح هذا الملف داخل مجلس الشيوخ برئاسة المستشار الجليل عصام فريد يعكس وعيًا برلمانيًا متقدمًا، يؤكد أن المجلس لا يكتفي بدوره التشريعي، بل يمارس دوره الوطني في مناقشة القضايا الاستراتيجية، وطرحها بشفافية أمام الرأي العام، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي ختام المشهد، تبقى الحقيقة الأهم أن الدولة المصرية، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لن تتخلى يومًا عن دورها في حماية الأمن المائي المصري، ولن تسمح بأن تتحول مياه النيل إلى ورقة ضغط أو مساومة، أياً كانت التحديات أو تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.
إنها معركة تخوضها مصر على كافة المستويات السياسية والقانونية والدبلوماسية والفنية، بعقل الدولة لا بردود الأفعال، وبإرادة لا تعرف التراجع، وبإيمان راسخ بأن مياه النيل ليست مجرد مورد، بل قضية حياة ووجود، لا تقبل التفريط ولا النسيان.
ومهما طال الطريق، أو اشتدت الضغوط، ستظل مصر ثابتة على موقفها، تحمي حق شعبها، وتصون مستقبل أجيالها، لأن دولة تعرف قيمة النيل، تعرف جيدًا كيف تدافع عنه.