بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. هيثم سيد فتح الباب يكتب لبوابة الدولة : حين يصبح التعليم قضية دولة

هيثم سيد فتح الباب
-

في وقت تتعاظم فيه التحديات، وتتشابك فيه الملفات، يظل التعليم هو التحدي الأهم والأخطر، لأنه المعركة الحقيقية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. ومن هنا، يصبح من الواجب الوطني أن نُشيد بكل جهد صادق يُبذل لإصلاح منظومة عانت طويلًا من التراكمات، وهو ما نشهده اليوم في تحركات وزير التربية والتعليم على المستويين الداخلي والخارجي.

(1) عودة الطالب إلى مكانه الطبيعي ..
المدرسة

أحد أهم الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الأخيرة، هو إعادة الاعتبار للمدرسة باعتبارها القلب الحقيقي للعملية التعليمية، لا مجرد مبنى أو إجراء شكلي.
ولأول مرة منذ سنوات، عادت نسب حضور الطلاب في سنوات النقل – باستثناء الصف الثالث الإعدادي والثالث الثانوي – إلى ما يزيد على 95%، بعد أن كانت لا تتجاوز 20% في أعوام سابقة، وهو تحول حقيقي يُحسب لوزارة التربية والتعليم، ويؤكد نجاح سياسات الانضباط وربط الحضور بالتقييم.
عودة الطلاب إلى الفصول، وفرض الالتزام، أعادت للمدرسة هيبتها، وللطالب وعيه بأهمية التعليم، وللمعلم دوره الحقيقي داخل الفصل، بعد سنوات من تراجع الحضور وتحول المدرسة إلى مجرد إجراء شكلي.
(2) ضبط منظومة الكتب… حماية للمال العام وحق للطالب
لأعوام طويلة، كانت ظاهرة بيع الكتب الدراسية في السوق السوداء صورة واضحة من صور إهدار المال العام، وغياب العدالة التعليمية، وضياع حق الطالب.
وجاءت سيطرة الوزارة على منظومة طباعة وتوزيع الكتب لتغلق هذا الملف، وتؤكد أن الكتاب المدرسي ليس سلعة، بل حق أصيل للطالب، وأن حماية المال العام تبدأ من التفاصيل التي تمس حياة الناس اليومية.
(3) المعلم أولًا… لأن الإصلاح يبدأ من هنا
ويُحسب للسيد وزير التربية والتعليم أنه وضع المعلم في قلب اهتمامه، إدراكًا منه أن أي تطوير حقيقي للتعليم لن ينجح دون معلم يشعر بالتقدير والاحترام.
لقد سعى الوزير – بالتنسيق مع الجهات المختصة – إلى تحسين الأوضاع المادية للمعلمين وزيادة رواتبهم، في رسالة واضحة تؤكد أن المعلم ليس عبئًا على الدولة، بل هو الاستثمار الأهم فيها.
هذا الاهتمام لم يقتصر على الجانب المادي فقط، بل امتد إلى استعادة مكانة المعلم المعنوية داخل المجتمع، وإعادة ضبط العلاقة بينه وبين الطالب، بما يضمن بيئة تعليمية صحية قائمة على الاحترام والانضباط، لا الفوضى والتسيب.
(4) دور متوازن يعيد الاعتبار للمدرسة والمعلم
نجحت الوزارة في إعادة التوازن داخل المدرسة، بحيث عاد المعلم إلى موقعه الطبيعي كقائد للعملية التعليمية، وعاد الطالب إلى دوره كمتعلم مسؤول، لا متلقٍ سلبي.
وهذا التوازن هو حجر الأساس لأي منظومة تعليمية ناجحة ومستقرة.
(5) نظام البكالوريا… خطوة نحو التعليم العالمي
ومن الخطوات الاستراتيجية المهمة التي تمثل نقلة نوعية في مسار التعليم المصري، إطلاق نظام البكالوريا، الذي يفتح آفاقًا جديدة أمام الطلاب، ويقرّب التعليم المصري من المعايير الدولية، ويمنح الطالب مرونة في المسارات التعليمية، ويؤهله للمنافسة في الجامعات العالمية دون التفريط في الهوية الوطنية.
إن هذا النظام لا يمثل تغييرًا شكليًا، بل تحولًا فكريًا في فلسفة التعليم، ينقل الطالب من الحفظ إلى الفهم، ومن التلقين إلى التفكير، ومن الامتحان الواحد إلى التقييم المتوازن، وهو ما يجعل من التعليم المصري مشروعًا قابلًا للتطوير المستدام، لا مجرد منظومة مغلقة على نفسها.
(6) حضور خارجي يعكس صورة مصر التعليمية
ولا يقتصر جهد الوزير على الداخل فقط، بل يمتد إلى تمثيل مصر خارجيًا بصورة مشرفة، من خلال الشراكات الدولية، وتبادل الخبرات، وربط التعليم المصري بالمعايير العالمية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية للمجتمع المصري.
(7) دعم لمسار إصلاحي لا مجاملة لأشخاص
إن دعمنا لهذه الجهود لا يأتي من باب المجاملة، بل من منطلق المسؤولية الوطنية، فإصلاح التعليم يحتاج إلى نفس طويل، وقرارات شجاعة، وتكاتف الجميع: دولة، ومعلمين، وأولياء أمور، ومجتمع مدني.
(8) كلمة أخيرة
ما نشهده اليوم في منظومة التعليم هو بداية مسار إصلاحي حقيقي، يعيد الانضباط، ويحمي المال العام، ويعيد للمدرسة والمعلم والطالب مكانتهم المستحقة