أحمد قورة يكتب:حين ينحاز الجيش للمواطن

منذ اللحظة الأولى، لا يمكن قراءة ما تقوم به القوات المسلحة المصرية إلا بوصفه ترجمة حقيقية لمعنى الدولة الحاضنة لأبنائها، والدرع الذي لا يكتفي بحماية الحدود، بل يمتد عطاؤه ليحمي الإنسان ويصون كرامته ويخفف عنه أعباء الحياة. القوات المسلحة، التي اعتادت أن تكون في الصفوف الأولى وقت الشدة، تؤكد كل يوم أن عقيدتها لم تكن يومًا قاصرة على السلاح، بل قائمة على الانتماء والرحمة والمسؤولية الوطنية.
حملة « بلدك معاك » التي استكملتها اليوم الثلاثاء المنطقة الشمالية العسكرية بالتعاون مع صندوق تحيا مصر ومؤسسات المجتمع المدني، ليست مجرد نشاط خيري عابر، وإنما نموذج متكامل لفلسفة راسخة ترى أن الأمن الحقيقي يبدأ من المواطن، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا بتوفير حياة كريمة لكل أسرة مصرية، في المدن والقرى، وعلى امتداد الجغرافيا المصرية.
في محافظة كفر الشيخ، جاءت مبادرة « أسبوع الخير » لتؤكد أن القوات المسلحة لا تعرف التفرقة بين مواطن وآخر، ولا تفرق بين محافظة مركزية أو طرفية، فآلاف المواطنين وجدوا الرعاية الطبية المجانية، وتوقيع الكشف، وصرف العلاج لما يقرب من أربعة وعشرين ألف مواطن، في مشهد إنساني يعكس عمق الإحساس بالمسؤولية، ويؤكد أن صحة المصريين أولوية لا تقبل التأجيل.
ولم تغفل الحملة أبناء الوطن من ذوي الهمم، أولئك الذين يستحقون كل دعم وتقدير، حيث تم توزيع الكراسي المتحركة، وسماعات الأذن، والنظارات الطبية، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تنسى أبناءها، وأن القوات المسلحة كانت وستظل الداعم الأول للفئات الأكثر احتياجًا، بلا منّ ولا دعاية، وإنما بواجب وطني خالص.
امتد العطاء ليشمل الجانب الاجتماعي والمعيشي، بتوزيع عشرات الآلاف من قطع الملابس الجديدة لمختلف الأعمار، وألعاب الأطفال التي أعادت البسمة إلى وجوه الصغار، في صورة إنسانية راقية تعكس إدراك القوات المسلحة لأهمية البعد النفسي والاجتماعي، وأن الكرامة الإنسانية لا تكتمل إلا بفرحة طفل وستر أسرة.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية، كان لتوزيع اللحوم الطازجة والمواد الغذائية واللحاف أثر بالغ في نفوس المواطنين، حيث لم يكن الدعم مجرد أرقام، بل إحساسًا حقيقيًا بالأمان، وشعورًا بأن هناك مؤسسة وطنية كبرى تقف خلف المواطن، تشاركه همومه، وتخفف عنه أعباء المعيشة، دون تمييز أو استثناء.
لم تتوقف الجهود عند حدود كفر الشيخ، بل امتدت إلى مدينة بشاير الخير بالإسكندرية، من خلال مبادرة «بالهناء والشفاء»، التي جسدت معنى العدالة الاجتماعية، حين وصلت المساعدات الغذائية لعشرات الآلاف من الأسر، في صورة متكاملة تعكس التخطيط الجيد والتنفيذ المنضبط، وتؤكد أن العمل المجتمعي لدى القوات المسلحة ليس ارتجاليًا، بل مؤسسيًا مدروسًا.
كلمة اللواء أركان حرب ياسر عبد المعز الخطيب، قائد المنطقة الشمالية العسكرية، جاءت معبرة عن عقيدة راسخة داخل القوات المسلحة، قوامها الإيمان بأن خدمة الشعب شرف، وأن المشاركة في المبادرات المجتمعية ليست تفضلًا، بل واجب وطني أصيل، نابع من تقدير حقيقي لحجم المسؤولية تجاه الشعب المصري العظيم.
إن ما تقوم به القوات المسلحة يعكس صورة دولة تعرف طريقها جيدًا، وتؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء السلاح، وأن التماسك الداخلي هو خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات. فالقوات المسلحة، وهي تؤدي هذا الدور الإنساني، ترسل رسالة طمأنينة لكل مواطن لست وحدك، فجيشك معك.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن القوات المسلحة المصرية لم تكن يومًا بعيدة عن نبض الشارع، ولا غائبة عن هموم الناس، بل كانت دائمًا في القلب، وفي الميدان، وفي خدمة الوطن. هي جيش الشعب بحق، وسنده في كل وقت، وعنوان الثقة والأمان، وحصن الكرامة الذي لا يسقط.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو مجلس النواب السابق

