ملامح عهد جديد من الاستقرار بعد اتفاق الاندماج مع قوات قسد

تشهد الساحة الميدانية في سوريا تحولات استراتيجية كبرى مع مطلع عام 2026، حيث بدأت وحدات الجيش السوري عملية انتشار واسعة في منطقة الجزيرة السورية لتأمين المنشآت الحيوية وتعزيز السيادة الوطنية. ويأتي هذا التحرك الميداني المهم عقب الاتفاق التاريخي الذي تم إبرامه بين الدولة السورية وقوات قسد، بهدف إنهاء النزاع المسلح ودمج كافة المكونات ضمن هيكلية الدولة الموحدة. إن هذا التطور يمثل نقطة تحول حقيقية تفتح الباب أمام استعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مناطق كانت لسنوات مسرحاً للتوترات والاشتباكات.
منطقة الجزيرة السورية: عصب الاقتصاد والأمن الغذائي
تعد منطقة الجزيرة، التي تضم محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، بمثابة السلة الغذائية ومخزن الطاقة للبلاد. الانتشار العسكري الأخير لم يكن مجرد تحرك دفاعي، بل هو خطوة استراتيجية لتأمين حقول النفط والغاز التي تعد الشريان الحيوي للاقتصاد السوري.
وفقاً للبيانات الميدانية، فقد نجحت القوات السورية في تأمين سد تشرين الاستراتيجي، الذي يمثل أحد أعمدة توليد الطاقة الكهرومائية في البلاد، بالإضافة إلى بسط السيطرة على مساحات شاسعة في ريف الرقة الشمالي وريف الحسكة الغربي. هذا الانتشار يضمن تدفق الموارد الحيوية مرة أخرى إلى خزينة الدولة، مما يسهم في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين في كافة أنحاء البلاد.
تفاصيل الاتفاق التاريخي: نحو اندماج مؤسسي شامل
جاء هذا التحرك نتيجة حوار وطني مكثف أفضى إلى توقيع "اتفاق الاندماج" بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي. يرتكز هذا الاتفاق على أربعة عشر بنداً أساسياً تضمن وحدة الأراضي السورية وتراعي الخصوصيات المحلية، ومن أبرزها:
-
الدمج العسكري والأمني: دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي، مع منحهم الرتب المستحقة بعد التدقيق الأمني.
-
الإدارة المدنية: تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بشكل فوري، مع الالتزام بتثبيت الموظفين الحاليين في وزارات الدولة المختصة.
-
السيادة على الموارد: استلام الدولة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وضمان حمايتها من قبل القوات النظامية.
-
الحقوق الثقافية واللغوية: تفعيل المرسوم الرئاسي رقم ثلاثة عشر لعام 2026، الذي يعترف بالحقوق اللغوية والثقافية الكردية ويعالج قضايا مكتومي القيد.
استعادة الثروات الوطنية: حقول النفط في دير الزور
بعد سنوات من خروجها عن سيطرة الدولة، عادت كبرى حقول النفط والغاز إلى عهدة الحكومة السورية. شملت هذه العملية حقل "العمر" النفطي، وهو الأكبر في سوريا، بالإضافة إلى حقل "كونيكو" للغاز وحقول "التنك" و"الصفيان" و"الرصافة".
صرح المسؤولون في الشركة السورية للبترول بأن مجمع الثورة النفطي الاستراتيجي أصبح تحت سيطرة الجيش بالكامل، ويجري التنسيق حالياً لاستلام وتأمين بقية المنشآت. إن استعادة هذه الحقول لا تعني فقط توفير الوقود والطاقة، بل تعني أيضاً البدء في مرحلة إعادة الإعمار الشاملة، حيث سيتم توجيه العوائد النفطية لدعم العملة المحلية وتمويل مشاريع البنية التحتية المتضررة.
الهدوء الميداني وعودة الحياة إلى طبيعتها
في مدن مثل الرقة والطبقة، أفادت المصادر المحلية بعودة الهدوء تدريجياً إلى الشوارع. المواطنون الذين عانوا من ويلات الحرب الطويلة بدأوا يشعرون ببوادر الأمان مع انتشار قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية.
ومع ذلك، تظل التحديات قائمة، خاصة في المناطق القريبة من منبج والقرى المحيطة بسد تشرين، حيث حذرت السلطات الأهالي من العودة العشوائية بسبب وجود ألغام ومخلفات حرب لم تُكتشف بعد. تواصل فرق الهندسة في الجيش السوري العمل على تمشيط هذه المناطق لضمان سلامة المدنيين قبل السماح لهم باستئناف حياتهم الطبيعية.
الدعم الدولي والإقليمي للاتفاق
لم يكن هذا الاتفاق شأناً داخلياً فحسب، بل حظي بترحيب واسع من القوى الإقليمية والدولية التي رأت فيه فرصة لترسيخ الأمن الإقليمي. أعربت الولايات المتحدة عن إشادتها بجهود الطرفين، معتبرة أن الاتفاق يمهد الطريق لتوحيد سوريا ومكافحة الإرهاب بشكل فعال.
كما رحبت المملكة العربية السعودية والأردن وقطر بهذه الخطوة، مؤكدين على أهمية الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها. إن هذا الإجماع الدولي يعزز من فرص نجاح الاتفاق ويضمن تدفق المساعدات الإنسانية والتقنية اللازمة لدعم مسار الاندماج المؤسسي وتأهيل المنشآت الحيوية في المنطقة الشرقية.
آفاق المستقبل والالتزامات المشتركة
يلتزم الطرفان بموجب هذا التفاهم بإخراج كافة العناصر الأجنبية، وتحديداً قيادات حزب العمال الكردستاني غير السوريين، لضمان استقرار الجوار والسيادة الوطنية. كما تتولى الحكومة السورية المسؤولية الكاملة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم "داعش"، مما يغلق ثغرة أمنية كانت تؤرق المجتمع الدولي لسنوات.
إن التوجه نحو تعيين محافظ للحسكة بناءً على قوائم مرشحة تضمن المشاركة السياسية والتمثيل المحلي، هو دليل على جدية الدولة في بناء "جمهورية جديدة" قائمة على المواطنة والتنوع. هذه الخطوات العملية تؤكد أن لغة الحوار والعقل هي التي انتصرت في النهاية، محققةً ما عجزت عنه سنوات من الصراع المسلح.
في النهاية
يمثل هذا الاتفاق التاريخي فصلاً جديداً في تاريخ سوريا الحديث، حيث تتكاتف الجهود الوطنية لبناء مستقبل مستقر ومزدهر. إن عودة الجيش السوري إلى منطقة الجزيرة وتأمين الموارد الوطنية هي الضمانة الأساسية لحفظ كرامة المواطن وحماية سيادة الوطن. ومع استمرار تنفيذ بنود الاندماج، يتطلع السوريون إلى مرحلة من التعافي الشامل، تكون فيها الدولة هي المظلة الوحيدة التي تجمع الكل تحت راية القانون والمواطنة، لتنتهي بذلك حقبة من التشرذم وتبدأ رحلة البناء التي تستحقها البلاد بعد سنوات طويلة من التضحيات والصمود.

