المستشار محمد سليم يكتب: زلزال الصناديق ويقظة وطن

هناك لحظات في عمرالأوطان تُشبه تلك اللحظة التي ينطفئ فيها المصباح فجأة… فلا ترى شيئًا سوى الحقيقة التي تهرب منها طوال الوقت. لحظةٌ لا يصلح فيها التجميل، ولا تجدي معها الشعارات، ولا ينفع فيها ادعاء البطولة. لحظةٌ تشبه تمامًا ما شهدناه في مشهد الانتخابات الأخيرة… حين سقط القناع عن وجوه كثيرة، وظهرت حقيقة البعض ممن ظنّوا أن الوطن مزاد، وأن صوت الفقير سلعة، وأن البرلمان يُشترى على أبواب اللجان بثمن بخس من المال السياسي الملوّث.
وليس أشدّ مرارة على القلب من أن ترى من يتلاعبون بمعاناة الناس، يستغلون ارتفاع الأسعار، يقتاتون على جراح الفقراء، يظنون أن الجوع أبواب مفتوحة لشراء الضمائر… وكأن الوطن كيس أرز، أو زجاجة زيت، أو ورقة نقدية تُمدّ في يد محتاجة ليُسجِّل بها بائع السياسة نصرًا مزيفًا.
لكن القدر — حين يحب وطنًا — لا يتركه فريسة للمساومة. فجاء ما يشبه الزلزال؛ أحكام قضائية ببطلان الانتخابات في 47 دائرة من أصل 70. رقمٌ كافٍ لأن يهزّ صخورًا، لا فقط صناديق اقتراع. رقمٌ لم تعرفه مصر من قبل، ولم تشهده أي عملية انتخابية في تاريخها الحديث. كأن القضاء قال بصوت الرعد: هنا خطأ… وهنا عبث… وهنا لا يمكن تمرير الباطل على هيئة شرعية.
ذلك المشهد لم يكن ليحدث بهذا الوضوح لولا يقظة القيادة السياسية… يقظة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يتعامل مع الوطن كما يتعامل الجراح مع قلب نابض، يعرف أنّ أي إهمال — مهما كان صغيرًا — قد يوقف الحياة. متابعة دقيقة من أول لحظة، ملاحظات واضحة بأن هناك تجاوزات في بعض الدوائر، تحذيرات صامتة تقول: لا بد أن تكون مصر أكبر من عبث العابثين. ولو لم تتدخّل الدولة بكل هذه الجدية، لكان القرار الأسهل هو إلغاء الانتخابات كاملة، وفتح الباب لموجة من الفوضى لا يعلم مداها إلا الله.
لكن مصر — تاريخًا وقدرًا — لا تُدار بالصدف. إنها بلدٌ يتنفس الحكمة، حتى في لحظات الغضب. بلدٌ يدرك أن البرلمان ليس مقاعد تُحجز، ولا أصواتًا تُشترى، بل هو صورة الأمة… ضميرها… صوتها حين ترتفع، ووجدانها حين تُختبر. لذلك كان لا بد من التصويب، ولا بد للحق أن يعلو، ولو كانت الكلفة أن نعيد الانتخابات من جديد، وأن نفحص الأوراق، وأن نعيد غربلة المشهد كله.
ولعلّ ما جرى هو الدرس الذي نحاول الهروب من تعلمه: أن الديمقراطية ليست ورقة تُلقى في صندوق، بل ثقافة وضمير ومسؤولية. وأن الفقراء الذين يتاجر بهم البعض هم في الحقيقة أكبر من أن يُشتروا، وأشرف من أن يكونوا سلعة. وأن الوطن، حين يمتحن أبناءه، يكشف معادن الرجال… فيُسقط من يسقط، ويرتفع من يستحق الارتفاع.
إن مصر اليوم ليست في حاجة إلى شعارات، ولا إلى من يرفع صوته فوق صوت الحقيقة. هي بحاجة إلى رجال يعرفون أن قدرتهم على حماية الوطن تبدأ بحماية نزاهة wyborات، وحماية عيون الفقراء من المهانة، وحماية صورة مصر من التشويه. ولو كان المال السياسي قادرًا على إسقاط أمة، لسقطت الأمم جميعًا منذ أن وُجدت على الأرض أول ورقة نقدية. لكن الحقيقة أن الأمم تسقط فقط حين ينام ضميرها… وقد أثبتت مصر أنها مستيقظة.
ما حدث ليس مجرد بطلان لدوائر انتخابية… إنه إنذار. إنه جرس يدقّ في ليل البلاد، يقول: انتبهوا… فالوطن أكبر منكم جميعًا. وإن كانت هناك أي يد حاولت العبث بمستقبل المصريين، فقد قُطعت من قبل أن تصل إلى قلب الدولة.
إن يقظة القيادة السياسية ليست مجرد متابعة إدارية، لكنها رسالة بأن مصر — مهما اشتدت العواصف — ستبقى دولة قانون، دولة لا تخشى إعادة الحساب، ولا تتردد في تصحيح المسار. دولة تحمي نفسها حين يحاول غيرها تشويهها… ودولة تعرف أن الطريق إلى المستقبل لا يُعبّد بالمال السياسي، بل بالحق، بالعدالة، وبضمير لا يُباع ولا يُشترى.
وفي النهاية… يبقى دعاؤنا واحدًا:
اللهم احفظ مصر من كل سوء.
احفظها من الذين يشترون الفقراء… ومن الذين يشترون الكراسي… ومن الذين يشترون الحق بثمنٍ بخس.
هذا الوطن يستحق برلمانًا يُشبهه… لا يشبههم.

