نادية هنرى البرلمانية السابقة تكتب : لماذا نهرب من الواقع؟ حين يصبح الوهم أكثر احتمالًا من الحقيقة

في لحظة معيّنة، عندما يشتدّ الاحتياج وتثقل الحياة فوق أكتاف الناس، يحدث شيء غريب:
لا يعود الإنسان يرى الواقع كما هو… بل كما يستطيع احتمال رؤيته.
هنا يبدأ الهروب.
هروب جماعي… هروب فردي… هروب صامت.
ليس جبنًا، ولا غباءً، بل غريزة بقاء تعمل حين ينهار السقف فوق الرؤوس.
لكن لماذا نهرب؟ ولماذا يصفّق المحتاج للتمنّي، بينما الحقيقة تقف أمامه واضحة كالشمس؟
1) لأن الحقيقة العارية ثقيلة… والمُتعب لا يتحمّل المزيد
الواقع يقول له:
• معيشتك أصعب.
• دخلك أقل من احتياجاتك.
• المستقبل غامض.
• الحقوق تُنتقص.
• الفرص تضيق.
الإنسان الذي يعيش وسط هذا الضغط لا يمتلك القدرة النفسية على إضافة ألم جديد.
الحقيقة في هذه اللحظة ليست معرفة… بل حِمل.
والوعد الكاذب، مهما كان واهنًا، يبدو أخف وزنًا.
2) لأن الاحتياج القاسي يستهلك طاقة التفكير
حين ينشغل الإنسان يوميًا بـ:
• الإيجار
• الدواء
• المصروف
• الأقساط
• الوظائف
• النجاة الأساسية
يصبح دماغه في حالة “طوارئ”.
وفي الطوارئ، يُغلق العقل أبواب التحليل،
ويبحث عن نافذة واحدة فقط:
الأمل… ولو كان مؤقتًا.
لذلك يتوه الناس في التمنيات، لأن الحقيقة تحتاج راحة ذهنية لا يملكونها.
3) لأن التمنّي يُباع بطريقة جميلة… والحقيقة تُقدَّم بشكل قاسٍ
السياسيون، الإعلام، السلطة
يعرفون تمامًا كيف يصنعون تمنيات جذابة:
صورة لامعة، موسيقى، خطاب وطني، مستقبل مشرق على الشاشة.
خطاب يجعل الناس تشعر للحظة بأن أوجاعهم أقل، وأن الطريق أقصر.
أما الحقيقة؟
تأتي جافة، بلا ديكور، مليئة بأرقام وخسائر واعترافات.
من الطبيعي أن يختار الإنسان الكلمات التي تُطمئنه لا الكلمات التي تُفزعه.
4) لأن المجتمع نفسه يكافئ الوهم ويعاقب الحقيقة
من يواجه الواقع قد يُتهم بأنه:
• سلبي
• محبط
• خائن
• “يُشوّه صورة البلد”
ومن يروّج الأوهام يوصف بأنه:
• إيجابي
• وطني
• داعم
فتتحول الأكاذيب إلى فضيلة،
والصدق إلى تهمة.
في هذه البيئة، يصبح الهروب من الواقع وسيلة لتجنّب العقاب.
5) لأن الوهم يجتمع في منظومة… والحقيقة تقف وحدها
الوهم ليس مجرد جملة—إنه آلة كاملة:
إعلام، دعاية، رموز، احتفاليات، وعود، سرديات.
مصنع كامل يعمل على مدار الساعة.
أمّا الحقيقة، فغالبًا ينقلها أفراد:
كاتب، أكاديمي، ناشط، امرأة تتحدث بصدق، أو مواطن مرهق.
فيُغرق ضجيج الوهم صوت الحقيقة.
6) لأن الإنسان يحتاج معنى قبل أن يحتاج خبزًا
وهذه أصعب نقطة.
الواقع القاسي يسحب من الإنسان شعوره بالكرامة والسيطرة.
والتمنّي—حتى لو كان وهمًا—يعطيه معنى مؤقتًا:
يجعله يشعر أن المستقبل قد يحمل مفاجأة،
وأن الأمور ليست مغلقة،
وأن الألم ليس نهاية القصة.
الوهم ليس هروبًا من الواقع… بل هروبًا من اليأس.
الخلاصة: لماذا نهرب؟
نهرب لأننا بشر.
نهرب لأننا موجوعون.
نهرب لأننا نخشى الاعتراف بأن حياتنا تستحق أفضل مما نحصل عليه.
نهرب لأن الحقيقة تكشف حجم الظلم… والظلم حين يُرى بوضوح يصبح عارًا على من يقبله.
لكن الحقيقة تظلّ الحقيقة، حتى لو أدرنا لها ظهورنا.
وإنكار الواقع لا يغيّر الواقع… بل يجعل ثمن تغييره أكبر.
**الوعي الحقيقي يبدأ عندما نسأل:
ماذا نحتاج؟ وليس ماذا نتمنى.**
فالمعركة ليست بين الوهم والواقع،
بل بين الشجاعة والخوف.
والتغيير يبدأ من لحظة يقرر فيها الإنسان أن يرى الحقيقة…
لا لأنها مريحة، بل لأنها الطريق الوحيد للخروج من الألم

