الرئيسية / عالم الفن / كمال ممدوح حمدي يكتب ..آه لو فشلت!

كمال ممدوح حمدي يكتب ..آه لو فشلت!

قالت: “إذن فقد كان حلما آخر, وأنا لا يعجبني أن تسرقني الأحلام” .. ورأت أن عاما آخر قد مر ولكنها لم تكبر إلا بقدر مسافة يوم واحد, والصغار لا يصبرون ..” لماذا لا تخاتلنا الأحلام إلا حين نكون نياما, فلا نمسك منها بشيء ؟!” ورأت أن الكآبة أحيانا تريح النفس, لأنها تسليم بأن شيئا لن يكون قبل أوانه ..

بالأمس حين كانت قد أسلمت نفسها باطمئنان لنوم عميق, جاءها الحلم حصانا طيعا, يفهم دون الاشارة والكلام, على ظهره طافت الممالك التي لا يغيب عنها القمر, كل شيء فيها فضي حتى الزهور, وبادرها الفارس الذي كان ينتظر حين ترجلت: “انتظرتك ألف عام” لكنها ضحكت, وأغرتها فراشات من حبات الضوء أن تطير بينها, تعابثها, وتملأ كفها بحفنة ماء, تسقيها واحدة بعدأخرى, وسمعت طفلتها الصغيرة الجميلة – وجهها بملامح هذه الدمية الملقاة – تناديها, استدارت وهى تحلق بين الفراشات, وعادت لتحط أمام صغيرتها, تحملها إلى صدرها, تدخلها القلب وتغطيها برموش العين ..

بالأمس رأت أنها تلك الأم, رائعة الأمومة, هى منذ أن كانت تحبو, وهى في مثل عمر ابنة الحلم, كانت تتدرب مع هذه الدمية وتخوض أول دروس الأمومة .. كم بدلت لها ثيابها دون أن تتسخ, ومشطت شعرها حتى نحل, وكم بكت إلى أمها, تريد أن تنظف لدميتها أسنانها, ولكنها تعاند فلا تفتح فمها, ولم تفلح الأم في اقناعها .. وكم بكت لأنها أرادت أن تطعمها فرفضت الدمية الحرون, وكم من مرة عنفتها الأم حين رأتها تغسل لها وجهها بالصابون أو تحممها حتى كفت عن الكلام الذي كانت تردده كبغبغاء نشيط, وأطبقت احدى عينيها فلم تعد كما كانت تغمض ان نامت, بعينيها معاً, وتفتحهما معا, أو واحدة بعد أخرى حين تحملها الصغيرة وتحثها ان تفيق .. لم تعد تحرك إلا عينا واحدة, ولم تكف الصغيرة عن الحاحها أن يأخذوا صغيرتها إلى طبيب العيون .. هى الآن قد نضجت وعرفت أن دميتها من البلاستيك, لا تأكل ولا تشرب ولا تتألم أو تصيح, ولا تضحك أو تغضب, ولا تكترث بصاحبتها .. عرفت كل ذلك, ومع هذا لا تزال تحملها معها إلى فراشها حين تذهب للنوم, تغطيها, وتغط معها في نوم عميق ..

    بالأمس وهى تحلم, حين رأت أنها الأم التي تعلمت,كان تعامل ابنتها بحنان لم تلقه يوما من أحد, أخذتها في حضنها تحكي لها حكايات الشاطر حسن, وتمسح فوق شعرها, وتستحث النعاس للصغيرة ولنفسها .. رأت في الحلم أنها تنام – وهى نائمة! – وعندما استيقظت من الحلم –لا تزال تحتضن صغيرتها, استيقظت ايضا من نومها بالأمس, ووجدت انها لا تزال تمسح على شعر دميتها وتغني ..

في المرآة كذبها عمرها, طفلة لا تزال, وما زالت الطريق طويلة طويلة حتى تشارف نهاية أطراف أرض الأحلام. لماذا لا يكبر الصغار إلا يوما واحدا كل عام ؟!

ألف مرة رأت في المرآة وجهها من جانبه الأيمن, والف مرة بجهة اليسار, شدت قامتها بصلابة الواثقة, أو احنتها كعجوز وتكومت بعمر تسعين عاما, غيرت نظرتها وبدلت ادعاء الانفعال, هى كما هى .. ” لو أن جدتي تكف عن ندائي: تعالي يا صغيرتي! ربما كبرت يوما آخر .. ” ما زال الحلم حياً ينبض في توقها .. ” تخاتلنا الأحلام ونحن نيام لتغتالنا حين نصحو .. “

هذه المرآة ليست في موضعها, الصغيرة هى التي أحضرتها هنا إلى غرفتها, جرجرتها وكادت تسقط معها في كل خطوة .. نكتشف ذلك بسهولة من ذلك الكرسي خلف المرآة, كانت قد أحضرته الصغيرة لتسندها إليه .. أحضرت ايضاً صورة أمها, تضعها على رجليها, بقرار أن تتملى في وجه أمها وتقارنه بوجهها .. لا تزال المسافة بينهما بعيدة .. عشرون عاما تكبر فيهما عشرين يوما, وبقرار يائس قررت ان تتملى وجه أمها وتعدل ملامحها هى على غراره .. كانت قد قصت ذيل الحصان من شعرها, وتخلصت من شريطين ملونين على جانبي رأسها, وأعادت تصفيف الشعر كشعر أمها .. شعرها غض كالحرير بعمره الطفولي, وشعر أمها مسحت فيه الأيام خشونتها حتى سودته, لا يهم اللون, لبست كأمها قميصا تألفها به, احضرت ادوات الزينة خلسة, قلم الشفاه, وقلم الحواجب, وعلبة المساحيق, وفرشاة ومشطا .. صبغت وجهها بشكل فج تعوزه خبرة الكبار في الخداع, وطوحت اصبع الشفاه وقلم الحواجب, وأسندت رأسها على راحتيها, تقضم اظافرها مرة, وتتهجم أمام وجهها, فيبادلها جهامة, وتغالب البكاء .. ان زمنا عنيدا لا يريد لها ان تعبر, لتوقظ غداً بليداً وكسولاً لا يريد أن يأتي إلا بعد عام, يتلوه غد آخر .. فكيف أفلت من قبضة ذلك العنيد بالأمس حلم مراوغ ؟!

***

هذه الصغيرة التي نتلصص على أحلامها, نعيد معها محاولة الصياغة, كأننا – نحن اليوم – وهى, معا نتطلع إلى غد قادم, قد خدعنا مثلما خدعتها الأحلام .. فذلك الغد القادم, الذي نتحرق معها شوقا إليه ليس إلا ماضيا خلفنا, مر منذ عشرين عاما, أو ثلاثين, أدركته الصغيرة حين نضجت أو استوت على حياتها الزوجية وفراخها الصغار, كبرت البنت, وهى الآن ربما في عمر جدتي, وكبر أولادها وتزوجوا, ومن بين بناتهم اليوم صغيرة اخرى في عمرها يوم جلست أمام المرآة, حفيدة تناديها هذه البنت: “تعالي يا صغيرتي” فتغضب, وتراجع ملامحها في مرآة جدتها العجوز .. اللوحة منذ عام 1954م, وربما قبل ذلك بعام أو عامين, فصاحبها – نورمان روكويل – يضع اسمه عليها بحروف طباعية كالحفر, دون تاريخ .. آنذاك كانت البنت تحلم بيوم, ربما جاء بعد عشر سنين, هو الآن خلفها بمسافة ثلاثين عاما, ولكنها وقد سجنها الفن في الطفولة, أعطاها قدرة من قدرة الحلم, تنظر خلفها لتراه أمامها, وتغرينا معها – عبره – بتلك الرحلة الخرافية التي تعرف كيف تراوغ الأزمنة, لترى في الأمس قادما يلوح بأحلام الطفولة .. هذه الجدة الطفلة لا تتعجل أمامنا زمنا قادما, بل تنظر من خلف ظهورنا – وقد خبرت قسوة ان يكون المرء ناضجا – إلى ماض لها, وتقول في ضميرنا: “من جديد سأعيش طفولتي السعيدة .. وآه لو فشلت!”.

عن Hesham Yehia

شاهد أيضاً

إلهام شاهين تدافع عن زيارتها لدمشق: الجيش السوري يواجه الإرهاب

سامية الحسيني تعرضت الفنانة إلهام شاهين، ومجموعة فنانين أخرين، لحملة هجوم واسعة بسبب زيارتهم إلى …