أخبار عاجلة
الرئيسية / عالم الفن / سينما نجيب محفوظ.. واقعية وجريئة. أعماله الأدبية غيرت من ملامح السينما المصرية

سينما نجيب محفوظ.. واقعية وجريئة. أعماله الأدبية غيرت من ملامح السينما المصرية

%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7

كتب: أشرف بيدس

وجدت السينما المصرية ضالتها في أدب نجيب محفوظ الذي مثل نهرا لا ينضب من الافكار والشخوص والحكايات، التهمها المخرجون في نهم شديد، حتي أننا نستطيع القول – دون مبالغة – أن أعماله الأدبية غيرت من ملامح السينما وعبرت بها إلي مناطق آمنة ما كانت تحط دونها، وفتحت الباب علي مصراعيه لاخرين كي يسهموا بأعمالهم وابداعاتهم. وإذا كانت علاقة نجيب محفوظ بالسينما قد بدأت في وقت مبكر «المنتقم» 1947، يظل عام 1961. علامة فارقة فقد شهد تحويل أول رواياته لفيلم للسينما فكانت «بداية ونهاية» ثم توالت بعد ذلك الاعمال الادبية.

رغم ما قدم من أعمال رصدت – في أغلبها- مشاكل المجتمع واقتربت من الناس، ظلت أعمال نجيب محفوظ هي أكثرها علي الإطلاق جرأة في التناول وارتباطا بالواقع ، فهي لم تحاول أن تطلق مساحيق التجميل في ملامح البشر لتجملهم أو تتجاوز الحقيقة بإضافة الرتوش هنا وهناك بغرض مسخ الحقائق والقفز من فوقها ، بل كانت حريصة علي رصد الواقع بأمانة وواقعية، وهذا ما وطد من علاقة “نجيب محفوظ” بالسينما .

بدأت اسهامات نجيب محفوظ بالسينما في وقت مبكر وقبل أن تتحول رواياته إلي أعمال سينمائية، فقد شارك في كتابة 25 سيناريو مع العديد من السيناريست والمخرجين، لكن يظل صلاح أبو سيف حالة خاصة من بين هؤلاء المخرجين فقد شاركه في كتابة أفلام «لك يوم يا ظالم» سنة 1951 و«ريا وسكينة» عام 1953 و«الوحش» عام 1954 وأيضا مع نيازي مصطفي في كتابة فيلم «فتوات الحسينية» عام 1954 ومع حسن رمزي في فيلم “الهاربة” عام 1958 وشارك أيضا أمين يوسف غراب في فيلم “شباب امرأة” عام 1955 لصلاح أبو سيف أيضا، ومحمود صبحي في فيلم “النمرود” عام 1956 والسيد بدير في “الفتوة””  عام 1957 كما شارك أيضا في كتابة نص “جعلوني مجرما” إخراج عاطف سالم عام 1954 وساهم مع الأديب عبد الحميد جودة السحار في “درب المهابيل” من إخراج توفيق صالح عام 1955 وعلي الزرقاني وعبد الرحمن الشرقاوي في “جميلة أبو حريد” ليوسف شاهين سنة 1959 بالإضافة إلي مساهمته مع عبد الرحمن الشرقاوي وعز الدين ذوالفقار في سيناريو فيلم “الناصر صلاح الدين” من إخراج يوسف شاهين عام 1963، أما رواياته التي تحولت إلي أعمال سينمائية فبدأت عام 196. فيلم “بداية ونهاية” ثم تلاها خان الخليلي ، زقاق المدق ، السراب ، اللص والكلاب ، بين القصرين ، قصر الشوق ، السكرية ، السمان والخريف ، الطريق ، الشحاذ ، القاهرة ، ثرثرة فوق النيل ، ميرامار ، الحب تحت المطر ، الكرنك ، وصمة عار ، الحرافيش ، فتوات بولاق ، المطارد ، شهد الملكة ، الجوع ، أصدقاء الشيطان ، التوت والنبوت ، عصر الحب ، أميرة حبي أنا ، دنيا الله ، الشريدة ، المذنبون ، أهل القمة ، الشيطان يعظ ، الخادمة ، أيوب ، الحب فوق هضبة الهرم ، وقام بإخراجها كوكبة من أهم مخرجي السينما مثل صلاح أبو سيف ، يوسف شاهين، كمال الشيخ، حسن الإمام، حسام الدين مصطفي، عاطف سالم، حسين كمال، علي بدرخان، أشرف فهمي، عاطف الطيب.

فقد حرص أن تظهر شخوصه كما هي بأنانيتها وسموها، قبحها ونقائها، شخوصا حقيقية جاءت بغبارها لتشهد علي عصرها، لقد أزاح “نجيب” كل الستائر السميكة لتبدو الصورة علي حالتها ودون حجب لأي شيء، ربما كانت أصدق من الواقع، حاولت أن تجد لها مكانا رغم ظروفها القاسية وإمكاناتها المتواضعة، أحيانا نجحت، وكثيرا ما فشلت، ورغم محاولاتها الكثيرة لم تيأس.

لم تكن مصادفة أن يتم اختيار 17 عملا لنجيب محفوظ ضمن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما، فأعماله كانت دائما تحمل عوامل جذب لدي المخرجين والممثلين للإقدام عليها لأنها تتضمن موضوعات اجتماعية شديدة الثراء والتنوع، كما أنها ترصد ظواهر اجتماعية لم يسبق لأحد من قبل تناولها أو الخوض فيها، وتحمل خصائص ومقومات تستفز المبدعين للتعبير عنها، خصوصا الحارة المصرية التي برع “محفوظ” في تصويرها بدقة متناهية وجرأة في طرح مشاكلها من خلال شخوص قريبة الشبه من جموع البشر مما جعل الكثيرين يرتبطون بأعماله ويشغفون بكل ما يقدمه.

وإذا كانت السينما قد اعتمدت فيما قبل علي الروايات العالمية التي كان يتم تمصيرها، فإن ظهور نجيب محفوظ ومن قبله يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس كان عوضا كبيرا عن هذه الروايات، بل نستطيع القول إن أعمالهم كانت أشد التصاقا وتأثيرا علي الجماهير، لأنها كانت تحاكي الواقع وظروفه والظواهر الاجتماعية والسياسية و الثقافية التي يمر بها المجتمع وكانت تأريخا أمينا لما يحدث. وتأتي الثلاثية بأجزائها بين القصرين، قصر الشوق، السكرية والتي قام بإخراجها حسن الإمام، في الفترة من 1941 وحتي انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 لتظهر جيلا كاملا من الوجوه الجديدة في ذلك الوقت، ورغم أن أحداثها يدور فلكها حول 55 شخصية إلا أن المخرج استطاع أن يديرهم بمهارة فائقة ، ومثلت خطوة مهمة في مسيرة يحيي شاهين وعبد المنعم إبراهيم الفنية وكانت نموذجا احتذي به بعد ذلك السينمائيون.

لقد وجدت السينما في أعمال نجيب محفوظ معينا لا ينضب من أفكار متدفقة وغير مسبوقة ساهمت في النهوض بصناعة السينما، ولقد حرض محفوظ علي إظهار الفوارق الاجتماعية بين الناس بعضهم وبعض ورصد ما ينتج عن ذلك الاختلاف من تمرد وظلم وصدام وقد تجلي ذلك بوضوح في ملحمته الرائعة “الحرافيش” والتي خرجت في سبعة أفلام المطارد والجوع والتوت والنبوت وأصدقاء الشيطان والحرافيش وشهد الملكة والشيطان يعظ، ورغم أن نجيب محفوظ قام بالمشاركة في كتابة أكثر من 2. سيناريو لكتاب آخرين، فإنه لم يشارك في كتابة سيناريو واحد لأي من أعماله، ويعد محفوظ هو الأديب الوحيد الذي بلغ رصيد كبير من الأعمال لم يصل إليه أحد من قبل فقد تجاوزت أكثر من 6. عملا سواء كانت روايات أو سيناريوهات شارك في إعدادها، كما انتجت السينما المكسيكية عملين سينمائيين من أعمال نجيب محفوظ الروائية وهما زقاق المدق وبداية ونهاية، وهذا يوضح مدي بعد رؤيته وقدرته الفائقة علي تصدير مشاكل الناس أيا كانت أوطانهم، وأن معاناة الناس واحدة حتي وإن اختلفت ثقافاتهم.

عالجت روايات نجيب محفوظ كثيرا من القضايا الشائكة والظواهر الاجتماعية ، فحذر في “ثرثرة فوق النيل” من حالة لاستهانة والفوضي السائدة والتي كانت من نتائجها هزيمة 1967 وفي “أهل القمة” رصد ظاهرة الاتفتاح وآثارها السلبية علي الاقتصاد المصري، وفي “الكرنك” قدم نقدا لاذعا لمراكز القوي، أن المجال لا يتسع لرصد كل أعماله الأدبية والتي تحولت إلي أعمال سينائية، لكن يبقي في النهاية أن رواياته كان لها أبلغ الأثر في النهوض بفن الحكي السينمائي.

طاف نجيب محفوظ مع الباعة المتجولين في الأزقة والحواري والشوارع الضيقة ليتفحص الوجوه، كان يدرك جيدا أن حواريها الدافئة وبيوتها العتيقة المتاخمة ومآذن مساجدها الشاهقة، وأناسها الطيبون يحملون داخلهم أسرار الحياة، فانحاز لهم وانحازوا له.. وصور معاناتهم وآلامهم علي الورق، أشفق عليهم من ظروفهم التعسة، كان يدرك أنهم أصل الحكايات ومصدرها، ولأنه واحد منهم كان يعرف جيدا تفاصيل وشوشهم ، وما يخبأ تحت الجلد، يفهم ايماءاتهم وردود أفعالهم، ويجيد اللغة التي يتكلمون بها، لذا نفذ سريعا إلي سرائرهم، وتفحص ما فيها من مشاعر غضب وحب.. جرأة وضعف.. نجاح وانكسار..خضوع وكبرياء..صعلكة وانتماء.. كفر وإيمان.. واستطاع أن ينسج من كلماته حكاياتنا بكل ما فيها من متناقضات وسلبيات وايجابيات.. كان يعلم ما يدور خلف الأبواب والنوافذ.. في البيوت والشوارع والحارات والأزقة.. غاص داخلنا وفتش عن أسرارنا، رسم لوحة للوطن بكل فئاتها وطبقاتها ومعالمها.. ولم يستثن أحداً..

لقد تجاوز محفوظ المكان والزمان، كشف عن أقنعة واقعه وقام بتشريح شخوصه، وانطقها الكلمات بدقة بالغة.. صور المكان بعبقه وأصواته وتفاصيله الصغيرة والكبيرة، استفز المكان فأخرج كل ما فيه، ونحن نحتفل بذكراه لا يسعنا إلا أن نضع باقة من الزهور لهذا العملاق الذي أثرت أعماله الأدبية واسهاماته تاريخ السينما المصرية.

 

----------------------------------------
----------------------------------------

عن dawlanews

شاهد أيضاً

مني ذكي تبهر جمهورها بأحدث إطلالاتها في أحدث جلسات تصويرها

محمد صالح ظهرت الفنانة منى ذكى بلوك جديد وذلك في أحدث جلسة تصوير لها. وظهرت …